"وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر عنه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة، فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل روح تميل إلى ما يناسبها؛ فالخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات" (10)
وإذا تغذت الروح بالعلم النافع، والعمل الصالح، فإن ذلك قد تظهر آثاره على البدن في الدنيا قبل الآخرة، فهذا نافع القارىء كان إذا تكلم يُشم من فيه رائحة المسك، فقيل له: كلما قعدت تتطيب؟!! فقال: ما أمس طيبًا، ولا أقربه، ولكن رأيت النبي في المنام وهو يقرأ في فمي، فمن ذلك الوقت يشم من فِيِّ هذه الرائحة (11) .
وهذا عبد الله بن غالب لما قتل في المعركة ودفن أصابوا من قبره رائحة المسك، قال: فرآه رجل من إخوانه في منامه، فقال: يا أبا فراس! ما صنعت؟ قال: خيرَ الصنيع، قال: إلام صرت؟ قال: إلى الجنة، قال: بم؟! قال: بحسن اليقين، وطول التهجد، وظمأ الهواجر، قال: فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك؟! قال: تلك رائحة التلاوة والظمأ، قال قلت: أوصني، قال: اكسب لنفسك خيرًا، لا تخرج عنك الليالي والأيام عُطلًا؛ فأنى رأيت الأبرار نالوا البر بالبر (12) .
حتى إن الناس فتنوا في قبره، فبعث إليه من سواه بالأرض (13) .
وإذا تغذت الروح بالأمور الخبيثة، وأعرضت عما فيه سعادتها وفلاحها، وتركت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد يظهر على البدن أثر ذلك، فذكر مسعدة في كتابه في الرؤيا عن ربيع بن الرقاشي قال أتاني رجلان فقعدا إلي فاغتابا رجلا فنهيتهما، فأتاني أحدهما بعدُ، فقال: إني رأيت في المنام كأن زنجيًا أتاني بطبق عليه جنبُ خنزير، لم أر لحمًا قطُّ أسمنَ منه، فقال لي: كل، فقلت: آكل لحم خنزير؟؟!! فتهددني، فأكلت، فأصبحت وقد تغيَّر فمي، فلم يزل يجد الريح في فمه شهرين (14) .