الصفحة 147 من 309

وقلتم لها إنا لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها ويلائم ذوقها ذوقنا، فكان لابدّ لها أن تعرف مواقع أهوائكم، ومسارح أنظاركم لتتجمل لكم بما تحبون، فراجعت فهرس أعمالكم في حياتكم صفحة صفحة فلم تر فيه غير أسماء الخليعات والمستهترات والضاحكات اللاعبات، والإعجاب بهن والثناء على ذكائهن وفطنتهن، فتخلعت واستهترت لتبلغ رضاكم، وتنزل عند محبتكم، ثم تقدمتْ إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف تعرض نفسها عليكم عرضًا كما يعرض النخاس أمته في سوق الرقيق، فأعرضتهم عنها، ونبوتم بها، وقلتم لها إنا لا نتزوج النساء العاهرات كأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعًا ساقطات إذا سلمت لكم نساؤكم، فرجعت أدراجها خائبة منكسرة، وقد أباها الخليع، وترفع عنها المحتشم، فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت.

وهكذا انتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعها، وتمشت الظنون بين رجالها ونسائها، فتحاجز الفريقان، وأظلم الفضاء بينهما وأصبحت البيوت كالأديرة لا يرى فيها الرائي إلا رجالاٍ متبرهبين ونساء عانسات، ذلك بكاؤكم على المرأة أيها الراحمون.

فما زاد الفتى على أن ابتسم في وجهي ابتسامة الهزء والسخرية، وقال: تلك حماقات ما جئنا إلا لمعالجتها، فلنصبر عليها حتى يقضي الله بيننا وبينها. فقلت له: لك أمرك في نفسك وأهلك فاصنع بهما ما تشاء وائذن لي أن أقول لك إني لا أستطيع أن أختلف إليك بعد اليوم إبقاء عليك وعلى نفسي، لأني أعلم أن الساعة التي ينفرج لي فيها جانبُ سترٍ من أستار بيتك عن وجه امرأة من أهلك في حضرتك تقتلين حياء وخجلًا، ثم انصرفت وكان هذا آخر ما بني وبينه.

وما هي إلا أيام قلائل حتى سمعت الناس يتحدثون أن فلانًا هتك الستر في منزله بين نسائه وأصدقائه، وأنه قد أصبح مغشيًا لا تزال النعال خافقة ببابه، فذرفت عيني دمعة لا أعلم هل هي دمعة الغيرة على العرض المدال أو الحزن على الصديق المفقود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت