الصفحة 150 من 309

إنها قتلتْني ولكني أنا الذي فتحتُ باب بيتي لصديقي إلى زوجتي فلم يذنب لي أحد سواي.

ثم أمسك عن الكلام برهة فنظرتُ إليه فإذا سحابة سوداء تنتشر فوق جبينه شيئًا فشيئًا، حتى لبست وجهه فزفر زفرة خلت أنها خرقت حجاب قلبه ثم أنشأ يقول:

آه ما أشد الظلام أمام عيني، وما أضيق الدنيا في وجهي، في هذه الغرفة على هذا المقعد تحت هذا السقف، كنت أراهما جالسين يتحدثان فتمثليء نفسي غبطة وسرورًا، وأحمد الله على أن رزقني بصديق وفيّ يؤنس لي زوجتي في وحدتها، وزوجة سمحة كريمة تكرم صديقي في غيبتي، فقولوا للناس جميعًا إن ذلك الرجل الذي كان يفخر بالأمس بذكائه وفطنته ويزعم أنه أكيس الناس وأحزمهم قد أصبح يعترف أنه أبله إلى الغاية من البلاهة، وغبي إلى الغاية التي لا غاية وراءها.

والهفاه على أم لم تلدني، وأب عاقر لا نصيب له في البنين!

لعل الناس كانوا يعلمون من أمري ما كنت أجهل، ولعلهم كانوا إذا مررت بهم يتناظرون ويتغامزون ويبتسم بعضهم إلى بعض ويحدقون النظر إلىّ ويطيلون النظر في وجهي ليروا كيف تتمثل البلاهة في وجود البله، والغباوة في وجوه الأغبياء، ولعل الذين كانوا يطوفون بي ويتوددون إليّ من أصدقائي إنما كانوا يفعلون ذلك من أجلها لا من أجلي، ولعلهم كانوا يسمونني فيما بينهم وبين أنفسهم قوادًا، ويسمون زوجتي موسمًا، وبيتي ماخورًا (1) ، فوا رحمتاه لي إن بقيت على ظهر الأرض بعد اليوم ولو ساعة واحدة، ووالهفاه على زاوية من زوايا قبر عميق يطويني ويطوي عاري معي.

ثم أغمض عينيه وعاد إلى ذهوله واستغراقه.

(1) الماخور: بيت الريبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت