الصفحة 198 من 309

وعلمتُ مع أخوالي في الزراعة والحرث تحت الضرب والتهديد، فضاقتْ بي الدنيا، فاقترضتُ من والدتي بعض المال، فاشتريتُ به سيارة، وتوظفتُّ في إحدى الشركات، فتعرفتُ على رفقاء جدد عرّفوني على المخدرات وأنواع أخرى من الشرور، فلما علمتْ والدتي أصابها الهمُ والحزن والمرض، وفزعَتْ إلى عمي وخالي لنصحي وإنقاذي قبل فوات الأوان، لكنهم انهالوا عليّ ضربًا وما هكذا تكون النصيحة؛ فلم أزدد إلا بعدًا وتمردًا وتماديًا في الانحراف، وعرفتُ طريق الهروب من البيت، فكنتُ أقضي وقتي كله مع رفقاء السوء، ولم أعد أفرق بين الحلال والحرام، أما العقوق وقسوة القلب فقد بلغت فيها حدًا لا يوصف.. وأذكر مرة أنني دخلتُ على والدتي وهي تبكي وقد أعياها المرض وشحب وجهها -فشتمتها، وقذفتها بكلام جارح جدًا وخرجتُ، وكأن شيئًا لم يكن، أسأل الله أن يعفو عني بمنه وكرمه.. فلكِ الله يا أمي الحبيبة، ما ذنبك؟ وقد ربيتيني وأنفقتِ عليّ، وربما كانت هدايتي بسبب دعوة صالحة في جوف الليل خرجتْ من قلبك الطاهر.. (قتل الإنسان ما أكفره)

أغرى امرؤ يوماُ غلامًا جاهلًا ... بنقوده حتى ينال به الوطر

قال ائتني بفؤاد أمك يا فتى ... ولك الدارهم والجواهر والدرر

فمضى وأغمد خنجرًا في صدرها ... والقلب أخرجه وعاد على الأثر

لكنه من فرط دهشته هوى ... فتدحرج القلبُ المخضب إذ عثر

فاستلّ خنجره ليطعن نفسه ... طعنًا سيبقى عبرة لمن اعتبر

ناداه قلب الأم: كُفَّ بُنيَّ لا ... تطعن فؤادي مرتين على الأثر

واشتهرتُ بالغناء والعزف على العود -وكان صوتي جميلًا-.. ثم بالتفحيط وما يصاحبه من أمور لا تخفى على الكثيرين حتى أُطلِقَ علىَّ لقب السفاح لكثرة الجرائم التي كنت أقوم بها، فكان لا يركب معي إلا الكبار الذين لا يخافون على أنفسهم، أما البقية فكانون يلوذون بالفرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت