وصار الحديث كثيرًا حول العاطفة حديث الرفض، وحديث الانتقاد، فصار يكفي أن تجرح فلانًا من الناس أن تصفه بأنه"صاحب عاطفة"أو بأنه"صاحب حماس"أو كما يُقال"متحمِّس"، صارت كلمة جرح مطلقًا، وهذا يعني أن فاقد العاطفة وفاقد الحماس هو الرجل الأولى بالتعديل.
إننا ومع شعورنا"بإغراق"بل ومزيد من الإغراق في العاطفة ومع شعورنا بأن ثمَّة مواقف تدفع إليها العواطف كثيرًا لابد أن نحجِّمها ونحُد منها، إننا مع ذلك ينبغي ألاَّ نهمل دور العاطفة وألاَّ نقع في خطيئة الإهمال لها.
إهمال العاطفة
إن الدعوة إلى إهمال العاطفة كما قلنا، دعوة بحاجة إلى مراجعة وإلى إعادة النظر لأمور منها:
أولًا: أن العاطفة خلقها الله في الإنسان أصلًا، فقد خلق الله الإنسان يحمل مشاعر وعواطف من الحب والكره، والقبول والرفض والحماس.
فالدعوة إلى إلغائها دعوة إلى تغيير خلق الله، والدعوة إلى إلغائها أنها خُلقت عبثًا، وحاشى لله عز وجل أن يكون في خلقه عبث، فهو سبحانه ما ركَّبَ هذه العاطفة في نفس الإنسان إلا لحكمة، ولمصلحة لابد أن تتحقق من ورائها.
ثانيًا: يتفق العقلاء من الناس على وصف فاقد العاطفة بأنه رجل شاذ؛ فالرجل الذي لا تتحرك مشاعره، فلا يرقُّ قلبه لمشهد يثير الرقة والعطف، ولا يملك مشاعر الحب تجاه الآخرين أو مشاعر الرفض تجاه من يُرفَض، الرجل الذي لا يمكن أن تتوقَّد في قلبه حماسة أيًّا كان الموقف، لاشك أنه رجل شاذ فاقد للإحساس والعواطف.
بل إن الناس يرون أن الرجل الذي لا يحس بالجمال، ولايتذوق الجمال في هذه الدنيا، رجل شاذ، فهو وصف مخالف للفطرة السوية، ولهذا (حين جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورآه يقبِّل صغيرًا، قال: تقبِّلون صغاركم؟! قال صلى الله عليه وسلم"أوأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟") .