تمهيد
إن التاريخ البشري مليء بالعبر والدروس، وإن المتأمل لحياة البشر على هذه البسيطة يجد أنها صراع بين الحق والباطل، وأنها تعيش بين مد وجزر فيما يتعلق بطاعتها وعصيانها وقربها وبعدها عن ربها، وتبعا لذلك فإنها يتنزل عليها النصر، أو يحل بساحتها العذاب، بحسب طاعتها أو عصيانها، وهذا العذاب يعم ويخص ويحيط، وقد يعاجل ويباغت، وقد يمهل الله العاصي - سواء كان فردا أو أمة - ويحل بأمة لتكون عبرة لغيرها، وينزل بآخرين نكالا لهم وتخويفا لغيرهم؛ لعلهم يرجعون ... وهذا وغيره يجعل بعض الكتاب في مثل هذه الأزمنة التي ظهر فيها الجهل، وتتابعت فيها الفتن، وتكاثرت فيها المثُلات - يفسر هذه الأحداث تفسيرا طبعيا على أنها تفاعلات طبعية، وانزلاقات في القشرة الأرضية، لا ارتباط بينها وبين سلوك الناس وتصرفاتهم، وقربهم وبعدهم عن ربهم، وعن الصراط المستقيم، [1] كما تدفع البعض أحيانا إلى التساؤل حول الإمهال والإملاء والمباغتة والإنظار، ومن هذه الأسئلة:-
-هل عدم العقوبة دليل على رضى الله عنهم؟.
-لماذا تفلت الدول المتغطرسة [2] من العذاب، بينما يحل العذاب على الدول المسلمة؟.
-متى يكون العذاب خاصا، ومتى يكون عاما؟.
-إذا وقعت العقوبة شملت الصالح والطالح والمحسن والمسيء فما مصير الصالح؟.
-إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعثه الله رحمة للعالمين فكيف يقول المسلم: إن الآيات التي يسلطها على الكافرين تعد عذابا لهم؟!. فأين رحمة المسلم لغيره من بني البشر؟!.
-ما الفرق بين الابتلاء للمؤمنين والعذاب للمعاندين؟.
هذه الأسئلة وغيرها سيكون عليها مدار البحث في المبحث التالي وفي المباحث اللاحقة.
(1) انظر مثلا الصحف الصادرة بعد أي حدث عظيم كزلزال (بام) في إيران، وزلزال شرق آسيا، وما أعقبه من طوفان (تسونامي) .
(2) الغطريس: الظالم المتكبر. والغطرسة: الإعجاب بالنفس والتطاول على الأقران والتكبر. ترتيب القاموس المحيط، مادة غطرس، 3/ 402. ولقد اكتفيت بذكر المعلومات التامة عن الكتاب في قائمة المراجع عن ذكرها في الهوامش.