ويدلل المؤلف على صعوبة تجسيد المثال اللغوي الفصيح في عصرنا بما يلي:
الجميع متفقون على أن القرآن الكريم خير تجسيد للفصحى ومع ذلك فإنهم في سلوكهم اللغوي لا يحتذون أسلوبه، إذ يعد ذلك محاكاة للنص القرآني على طريقة مسيلمة الكذاب وأمثاله.
رغم كثرة الدراسات العربية التي قامت خدمة للقرآن فإن علماء العربية قديما وحديثا غاب عنهم كثير من خصائصه اللغوية، ومن هنا خطؤوا ظواهر لغوية كثيرة وهي موجودة في القرآن، بل إن من النحويين من وصل إلى درجة تلحين بعض القراءات المتواترة.
حدد علماء العربية مصادر اللغة الفصحى في القرآن الكريم والشعر العربي حتى عام 150هـ، وكلام العرب الأقحاح من غير ساكني المدن حتى القرن الرابع الهجري تقريبا. ومع ذلك فإنهم لم يتفقوا على التوسع في القياس أو تضييق نطاقه، كما لم يتفقوا على رفض أو قبول ما جاءت به لهجة عربية ما مخالفا للغة المشهورة، ولهذا كان محور أكثر خلافاتهم هو"مقياس الصواب اللغوي".
تعرض شعراء العرب وفصحاؤهم لانتقادات من طرف علماء العربية القدماء الذين وجدوا في سلوكهم اللغوي مآخذ تخرج بهم في بعض المواطن عن الفصاحة. ومن ذلك مثلا تخطئة العلماء للنابغة الذبياني وأبي دؤاد الإيادي من العصر الجاهلي، والحجاج بن يوسف الثقفي والفرزدق من العصر الأموي، وابن المقفع والبحتري من العصر العباسي.
وفي عصرنا الحاضر يرى المثقفون غير المختصين في علوم العربية -حسب استفتاءات قام بها المؤلف- أن الفصحى تتجسد في القرآن الكريم فالحديث الشريف ثم في الشعر العربي منذ الجاهلية حتى أحمد شوقي (1932م) ، ثم في النثر العربي بشتى أشكاله وموضوعاته حتى القرن العشرين بعد استبعاد عصر الحكم العثماني للبلاد العربية. كما يرون أن كتب النحو وصفت الفصحى من جميع جوانبها، وهذه رؤية يختلف معها علماء العربية القدماء والمحدثون.