الصفحة 59 من 195

وكذلك الصحابة رضي اللَّه عنهم، ما كانوا أبدًا ينادونه أو يصفونه بأي وصف أو لقب غير وصف النبوة والرسالة، ولم يرد في كتب السيرة ولا في غيرها، شيء من هذه الأوصاف التي يستخدمها المستشرقون ومن تابعهم من الكتاب المسلمين، لأن كل مؤمن يدرك أن النبوة فوق كل وصف وكل شارة أو لقب.

ومن الواضح أن غرض المستشرقين هو إنكار نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وإظهاره في مظهر المصلح أو العبقري، لأن هؤلاء تنتهي معهم أفكارهم، ويمكن أن يأتي مفكر أو مصلح آخر بما هو خير منها. ولذلك فهم ليسوا جديرين بالخلود، وأفكارهم ليست جديرة بأن يستمسك بها الناس بعدهم، كما يستمسكون برسالات الأنبياء.

ومن غريب الأمور أن يصر المستشرقون على وصف النبي صلى اللَّه عليه وسلم بهذه الأوصاف، مع أنه كان يتبرأ منها ويجرد نفسه من كل قوة أو مزايا أرضية كما بينه القرآن الكريم في قوله: { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ } .

وفي قوله: { قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ } .

ومن المعلوم أن العبقري والمصلح والبطل ـ بل وكل الناس ـ لا يرضى أن يأتي بالأعمال الجليلة ثم ينسب فضلها إلى غيره، فهذا شيء يتنافى مع طبائع البشر، فلو أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ابتكر هذا الدين، وأتى بهذا المنهج القويم، وقام بهذه الأعمال الجليلة التي غيرت مجرى التاريخ وأنقذت البشرية من الجهل والضلال بعبقريته وقوة شخصيته، لما خالف هذه السنة البشرية، ولكان سعيدًا بأن ينسب ذلك الفضل وذلك الشرف إلى نفسه، ولكنه صلى الله عليه و سلم عرف مقامه حق المعرفة، فنسب كل ذلك إلى ربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت