فلما كان الغد قال للنجاشي: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ففزعوا، ولكن أجمعوا على الصدق، كائنًا ما كان.
فلما دخلوا عليه وسألهم، قال له جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم -: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول.
فأخذ النجاشي عودًا من الأرض ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم الآمنون بأرضي من سَبَّكم غَرِم -ثلاثا- ما أحب أن لي جبلا من ذهب وإني آذيت رجلًا منكم.
ثم قال لحاشيته: ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه .
ولما أخفق المشركون في مكيدتهم، اشتدت ضراوتهم وانقضوا على بقية المسلمين، ومدوا أيديهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسوء، وخلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان ظهر برق أضاء الطريق، وهو إسلام حمزة بن عبد المطلب في أواخر السنة السادسة من النبوة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فغير المشركون تفكيرهم في معاملتهم مع النبي- صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، واختاروا أسلوب المساومات وتقديم الرغائب والمغريات، فقد أرسلت قريش عتبة بن ربيعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرض عليه المال، والسيادة، والملك أو المعالجة إن كان مريضا! فلما فرغ قرأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم - { بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [ فصلت: 1: 5 ] . ثم مضى رسول الله فيها، يقرؤها عليه .