فهرس الكتاب
وهكذا تستمر الآيات في الدعوة إلى الإيمان بالله منبهة إلى ما أخذه الله على البشر من عهد وميثاق، ومشنّعة على أولئك الذين لم يحترموا عهودهم فلم يحققوا الإيمان في أنفسهم: (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) (الأعراف: 101،102) وفي سورة الأنفال يصف فئة من البشر بمجوعة صفات كل واحدة منها كافية للزجر والتهديد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، هذه الفئة لا تؤمن بالله لوقوعها في الكفر، وهي بذلك شرّ الدواب على البسيطة، ما سر هذا الأمر؟ وما سبب خروجها من الإيمان؟. (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) (الأنفال:55، 56)
وهذا الأسلوب من أساليب القرآن الرائعة في الوصول إلى الحقائق والأهداف، فالعهد والميثاق لم يكن إلا من أجل الإيمان، فليس مرادًا لذاته ولكن لما يؤدي إليه، فالإيمان هو الهدف والغاية، ولكنه يجعل للوسيلة قوة تبدو أنها في مستوى الغاية، لتكون لها المهابة في البقاء والصيانة، محافظة على الأصل والغرض، وفي مجال الإيمان نفسه وبأسلوب بلاغيّ بديع، يشير إلى الشيء بذكر ما يقابله ويضاهيه، مستخدمًا لفظ العهد [1] الذي قد أخذ على بني آدم مذكرًا بهم ومرشدًا (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يّس:60) .
(1) - العهد هنا يحتمل معنى الأمر والوصية على ألسنة الرسل، ومعنى الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم، والنهاية عند التدقيق واحدة.