فهرس الكتاب
مستبشرًا، وعندما لتطوّر كان يعاتب في ذلك كان يعتذر برفق، أنّ الأمر خارج عن إرادته .. ولم يلبث سوى شهر وبضعة أيّام، حتّى نزلت به حمّى حار بأمرها الأطبّاء، فلم يستطيعوا تخفيض حرارته بكلّ ما أوتوا من علم وخبرة، وكانت صحّته تتدهور تدهورًا سريعًا، وهو صابر رابط الجأش، لا تسمع منه إلا كلمات الرضا عن الله، والتسليم لقضائه وقدره، ثمّ جاءه الأجل والقرآن الكريم بين يديه، وكانت آخر آية تلاها: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) } الرعد. ثمّ مال الكتاب العزيز على صدره، وأسلم الروح إلى بارئه ..
27 * مات محرمًا ملبّيًا ..
لم يكن يعرف مرضًا، أو يشكو من علّة، ولكنّه عندما عزم على السفر لأداء فريضة الحجّ حرص على زيارة جميع أقاربه ورحمه، وطلب من كلّ من زاره أن يسامحه إن صدر منه أيّ تقصير في حقّه .. وكنت ممّن زارهم، فعجبت لكلامه، وقلت: كأنّه مودّع، بل صرّح لي أنّه ربّما لا يعود إلينا، وقلت في نفسي: لعلّها كلمة يقولها كما يقولها كثير من الناس، ولا يقصدون ما وراءها .. ولكنّه والحقّ يقال كانت ذات لهجة صدق توحي بما وراءها ..
وفي مكّة المكرّمة قضى أربعة أيّام كان فيها في غاية الأنس والسعادة، لا يفارق الحرم الشريف إلاّ لحاجة أو ضرورة، وهو ينتظر مع رفاقه يوم عرفة بفارغ الصبر، وبينما كان يتوضّأ ضحى بعض