فهرس الكتاب
إن القضية المطروحة أمامكم ليست كقضية مقاطعتي سافوي ونيس، اللتين أشار إليهما المسيو بينو، شارحًا كيفية اندماجهما في فرنسا.. ليس هنالك تشابه بين القضيتين من قريب أو بعيد، ولا في أي وجه من الوجوه... إن مقاطعتي سافوي ونيس قد اندمجتا في فرنسا، وقبلتا الحكم الفرنسي، وأصبحتا فرنسيتين من حيث اللغة والثقافة والحضارة والتقاليد.. وهاتان المقاطعتان، لم تعلنا الثورة على الحكم الفرنسي، وعلى الاندماج بفرنسا؛ على حين أن الشعب الجزائري قد رفض الاندماج وقاوم الاحتلال.. إن الشعب الجزائري لم يستسلم أبدًا.. لقد قاتل بشجاعة، من أجل وطنه، ما يزيد عن مائة عام، قدم خلالها أعظم التضحيات في الأرواح والأموال..
وإنني أعترف للمسيو بينو أنه كانت في هذه الحقبة الطويلة فترات متقطعة من الهدوء، ولكنها كانت فترات من وقف إطلاق النار.. والشعب الجزائري كان على الدوام، ومن غير انقطاع يؤكد مطلبه في الحرية والاستقلال، ومعارضته لسياسة الاندماج، وإصراره على بناء دولة الجزائر في إطار من السيادة الكاملة.. ونحن لا نستطيع أن ننسى في هذا المقام، تلك المجزرة الدموية التي قامت بها القوات الفرنسية في عام 1945، ويا للعار في يوم عيد الهدنة؛ ولقد أثارت تلك المذبحة، التي ذهب ضحيتها آلاف من الجزائريين، ضمير العالم بأسره، وخاصة ضمائر أولئك الأحرار الشرفاء في فرنسا.. والأحرار الشرفاء في فرنسا كثيرون..
والآن.. بعد هذه السنين المتوالية من سفك الدماء والفظائع الوحشية، تأتي إليكم قضية الجزائر محملة بالإرهاب، مثقلة بالعسف والجور.. وإذا كان لأحد أن يرى القضية الجزائرية على أنها مشكلة داخلية لفرنسا، فالأمر في بساطة هو جريمة إبادة للجنس البشري، أما الذين يرون أنها ليست مشكلة