فهرس الكتاب
ج: لم يكن التبرع بالدم معروفا فيما سبق، فلذلك لم يذكر الأطباء الأولون العلاج بحقن الدم في العروق، إنما هو شيء جاء في الطب الحديث، ولا شك أنه مما ظهر أثره ونفعه وتأثيره في المرضى، فلذلك أصبح العلاج به سائغا ومشهورا، ولا شك أن الذي يتبرع بشيء من دمه الزائد الذي لا يضره أخذه لينقذ به مريضًا مدنفًا، ويكون سببا في زوال مرضه أو تخفيفه هو مما يؤجر عليه احتسابا، ولعله يدخل في الآية الكريمة إذا كان الشفاء يتوقف على هذا التبرع بإذن الله تعالى، مع أن كثيرا من العلماء قد أفتوا بمنع العلاج بالدم، وعللوا بنجاسته وتحريمه، وبحديث: أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ولكن لما أصبح مجربا ومفيدا وليس فيه مباشرة النجاسة، رخص فيه العلماء المتأخرون، وجعلوه من باب الضرورات أو من العلاج المفيد بما لم يتحقق تحريمه، والله أعلم.
س: إذا خرج مني دم يسير على أثر جرح وأنا أصلي في المسجد، فهل أقطع الصلاة أم لا؟
ج: لا شك أن الدم نجس؛ لأنه محرم وكل محرم سائل فهو نجس كالميتة والخمر، ولكن يعفى عن يسيره فلا ينقض الوضوء ولا يجب غسله وإنما يجب من الفاحش، وهو ما يفحش في نفس كل إنسان بحسبه، وقد ذهب بعض أهل الحجاز إلى أن الدم لا ينقض الوضوء واستدلوا بأن عمر صلى وجرحه يثعب دما ولكنه معذور؛ لأن القروح السيالة كسلس البول، وكذا قصة الصحابي الذي رمي وهو يصلي، فاستمر في صلاته، فإن قطعها لا يوقف الدم، فأما اليسير فيعفى عنه، فقد ذكر البخاري أن ابن عمر عصر بثرة فخرج منها الدم ولم يتوضأ لقلته، وبزق ابن أبي أوفى دما فمضى في صلاته، وكل هذا دليل على العفو عن اليسير، لكن قد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أحدث أحدكم في صلاته فليمسك بأنفه ولينصرف أي: ليجدد الوضوء، وهذا دليل على أن الرعاف مشهور عندهم أن صاحبه ينصرف من الصلاة؛ لأنه نجس وناقض للوضوء، والله أعلم.