الصفحة 84 من 93

وقل مثل ذلك في الداعية إذا واجهته مشكلة أو مصيبة، ثم تذكر أسلافه وما لاقوه كالإمام أحمد، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية، وغيرهم، فيعلم أنهم أخذوا بقوله تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ) (1) [سورة آل عمران، الآية: 139 ] .

15-علو الهمة ونبل المقصد والأخذ بالعزيمة

وذلك بأن يكون هم الإنسان الدار الآخرة، والفوز بالجنة، ومقصده رضا الله جل وعلا، فمن كانت هذه حاله فلن يستقر له قرار حتى ينال مراده، وسيجد في الطلب حتى يحصل على بغيته (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (2) [سورة الحجر، الآية: 99] . ولما قال أحد الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - إني أحب مرافقتك في الجنة، قال له المصطفى - صلى الله عليه وسلم - - أعني على نفسك بكثرة السجود - (3) .

وإذا علا مقصد الإنسان وشرفت غايته، زهد في الدنيا وشهواتها، ولو كانت بين يديه، فضلا عن أن يسعى لتحصيلها، ويقضي عمره جامعا لحطامها، على حساب دينه وعقيدته. ولذلك لما علت همة عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- وجعل لقاء الله غايته وأشرف مقاصده، كان أزهد الناس في الدنيا، وهو خليفة المسلمين، لا يملك إلا ثوبا واحدا، ولا يأكل من الطعام إلا الكفاف دون تقتير أو إسراف، والمال بين يديه، والثمرات من كل مكان تجبى إليه.

إن دنو الهمة وتواضع المقصد يؤدي بالإنسان إلى الدعة والاسترخاء، أما علوها، وبعد مرادها ومرامها، فدونه الجد والاجتهاد والسهر والعنا:

تعبت في مرادها الأجسام

وإذا كانت النفوس كبارا

وصدق من قال:

نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي?!

أأبيت سهران الدجى وتبيته

(1) - سورة آل عمران آية: 139.

(2) - سورة الحجر آية: 99.

(3) - أخرجه مسلم (1/353) كتاب الصلاة، رقم (489) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت