إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
القضية المطروحة للبحث في الواقع العملي هي مدى مشروعية أو إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج في الفقه الإسلامي. وهذه المسألة مستجدة ومن النوازل بلا ريب، فلا يتناولها بصورة مباشرة نص من القرآن الكريم أو السنة النبوية، ولم يبحث فيها العلماء القدامى؛ لأنها وليدة مراحل كثيرة من التقدم العلمي في مجال الطب. ففي العصر الحاضر تقدم الطب كبقية العلوم تقدمًا مذهلًا، واستطاع بما يسر الله عز وجل من وسائل وإمكانات أن يساعد في المحافظة على النسل إيجادًا أو إبقاءً.
"أن التطور الحديث في مجال علوم البيولوجية الذرية وعلم الوراثة قد أدى إلى زيادة الاهتمام في الأمراض الوراثية أو المعدية، حيث إن 5% من أطفال العالم وحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية مصابون بأمراض وراثية أو أمراض جينية بدرجات مختلفة، وأحيانًا بشكل ظاهر للعيان."
لقد حصل في السنوات الأخيرة تقدم في مضمار علم الجينات والهندسة الوراثية والفحوصات الجينية المختلفة والمتعددة لتشخيص الإصابات، وكذلك فقد حصل ومن خلال الخطى الحثيثة في هذا المضمار قفزات نوعية في مجال علاج هذه الأمراض قبل الولادة وأثناءها وخلال أيام الطفولة المبكرة. إن معظم الأطفال يولدون طبيعيين، ولكن قد يحدث أن يولد طفل يحمل مشكلة وراثية ورغم ندرة هذه المشكلات، لكنها تدعو للقلق الشديد ليس فقط لوالدي الطفل، بل للعائلة ككل ومن يحيط بها من أقارب ومعارف ومن هنا تبدأ أهمية الاستشارة الوراثية قبل الزواج أو قبل الإنجاب للأشخاص الذين ينتمون إلى أسر فيها أفراد مصابون بأمراض وراثية أو تشوهات خلقية أو اضطرابات ... [1] .
ونظرًا لهذه الأهمية البالغة جاءت هذه الوريقات في هذا البحث؛ لتوضيح مسألة الفحص قبل الزواج من الوجهة الفقهية الشرعية، وبصورة
(1) موصيللي، صفوان، الفحص الطبي قبل الزواج ضمانة لسلامة الأطفال، مقال في جريدة البيان الإماراتية، الأحد 18 ربيع الأول 1422هـ الموافق 10 يونيو 2001م.