إلا أنهم غُثاء كغثاء السيل، ليس معهم ما يحصنهم ضد الشبهات المضللة والآراء الفاسدة. وهل أتُي الإسلام إلا من قبل أهل الكلام وأهل البدع والخرافات؟.
2 -تقرير الأنبياء: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية.
لم تنكر أمة من الأمم توحيد الربوبية، فجميعهم يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ... ولكنهم مع ذلك كانوا يُشركون معه في العبادة أو يدعون الأصنام والأنداد من دونه. والرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يقررن أمرًا واضحًا جليًا وهو: أن من كان خالقًا رازقًا محييًا مميتا، كان أحق بالعبادة وأن يُخلص له فيها وأن لا يشرك به أو معه غيره. ولكن لتسلط الشيطان عليهم، ومتابعتهم للآباء والكبراء، استكبروا وأبوا أن ينقادوا للحق.
قال الله تعالى حاكيًا مناظرة موسى-عليه السلام- لفرعون: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [1] . فانظر إلى كلام موسى -عليه السلام- حيث يقرر لفرعون وقومه أن المستحق للعبادة هو رب السموات والأرض، وربهم ورب آبائهم، ورب المشرق والمغرب.
وأمر الله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) } [2] . وهذا تقريرٌ آخر، حيث أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين، لمن الأرض ومن فيها، ومن رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ومن بيده ملك كل شيء. والجواب معروفٌ لديهم، ولذا قال تعالى: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} . ولذا كان ختم كل آية فيه توبيخ وتقريعٌ للمشركين، كيف أنكم تعلمون ذلك وتقرون به ثم تشركون به ولا تفردون له العبادة. قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له ... اهـ [3] .
(1) . الشعراء (22 - 28)
(2) . المؤمنون (84 - 89)
(3) . تفسير القرآن العظيم. (المؤمنون 84)