وقد بيّن السيوطي (6) - رحمه الله - اضطراب هذه الروايات وبيّن علّتها، فنقل عن ابن أشتة بسنده عن عبدالله بن عامر قال:"لما فُرغ من المصحف أُتي عثمان فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا". فهذا الأثر لا إشكال فيه، وبه يتضح معنى ما تقدم من الروايات الأخرى والتي تُنسب لعثمان.
فكأنه عُرض عليه عقب الفراغ من كتابته، فرأى فيها شيئًا كُتب على غير لسان قريش كما وقع لهم في: التابوة، والتابوت (7) ، فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريش، ثم وفّى بذلك عند العرض والتقويم ولم يترك فيه شيئًا ولعل من روى تلك الآثار السابقة عنه حرّفها ولم يتقن اللفظ الذي صدر من عثمان فلزم منه ما لزم من الإشكال، فهذا أقوى ما يُجاب به عن ذلك ولله الحمد). أ.هـ.
قلت: فالروايات الأخرى التي تدل على وجود خطأ في كتابة القرآن أو لحن تعارض الروايات الأخرى الصحيحة التي تنفي ذلك فهي روايات باطلة ومردودة لا يركن إليها من في قلبه ذرة من إيمان أو معرفة بالعربية وليس لها أي وزن أو اعتبار أمام تواتر المصاحف والقراءات القرآنية (8) . قال ابن جرير (9) - رحمه الله - عند حديثه عن قوله تعالى:"والمقيمين الصلاة" (النساء/162) : (ولو كان"والمقيمين"خطأ من جهة الخط لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَلّمون من علموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم ولقّنوه للأمة تعليمًا على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءة على ما هو به في الخط مرسومًا أدلّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب) . أ.هـ.