بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
قال تعالى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وقال أيضا: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
وقال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ، يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ
وقال النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ أَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ، وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ"، فهذا هو الكبر وهؤلاء هم المستكبرون وهذه خطورتهم على أنفسهم وأقوامهم.
وقد كانت أول معصية عرفناها نحن البشر هي استكبار إبليس (لعنه الله) على السجود لآدم عليه السلام، وعلمنا أن الاستكبار يدفع صاحبه للهلاك، فلو استغفر إبليس ربه وتاب لغفر له الغفور الرحيم ولكنه الكبر الذي تتعجب من يقين صاحبه (إبليس) على خالقه سبحانه، فهو من تكلم مع الله، ويقينه على اليوم الآخر، فقد رأى الجنة والنار، لدرجة أن طلب من الله مهلة، ليست للتوبة بل لإضلال من استطاع ليدخلوا معه جهنم، قال عز وجل: قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، هذا الكبر دفع إبليس ليرضى أن يخلد في النار ولا يقبل أمر السجود، فقال عنه سبحانه: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وبين سبحانه وجهة نظر إبليس في التكبر فقال: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، فقد اغتر بنوعية خلقته كما اغتر آخرون بقوتهم فقال عنهم تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ، فما من متكبر إلا ويرى أن له فضلا في الشيء الذي يتكبر فيه. وأهل الكبر لا يقبلون إلا أن تكون لهم الكبرياء وحدهم ويظنون أن المصلحين ينازعونهم كبرياءهم فيصدون عن دعوتهم، قال تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ، لذلك يجب على المصلحين أن يبينوا للناس أنهم لا يريدون سلطانا ولا كبرياء ولا مالا حتى لا ترفض دعوتهم كما قال الأنبياء من قبل في الكتاب العزيز: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.
والكبر يمنع صاحبه من أي خير حتى ولو كان استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له وما له من شرف وفضل عظيم، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
والمستكبر لا يريد أن يسمع شيئا يجعله يتساوى بالناس بل يريد أن يظل فوقهم، قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام وقومه: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، فأتوا بأفعال لا يأتي بها إلا المستكبرون الذين لا يريدون الهداية، كما فعلوا مع موسى وقومه، قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ، والأعجب هو قولهم هذا، قال تعالى: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، وقال تعالى: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فبدلا من طلب الهداية للحق يطلبون الهلاك بسبب كبرهم، وآخرون كان هذا حالهم من الإدبار، قال تعالى: ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ.
والمستكبر دائما مفتون بالمستكبرين أمثاله وبالمؤيدين من حوله، قال تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
إذا فالكبر هو أن ترى نفسك كبيرا وتستطيع بما في يديك من أسباب، ومنذ تلك اللحظة التي خلق الله فيها آدم عليه السلام بدأ الصراع بين الحق والباطل، بين الله ورسله وأتباعهم ومنهجه وبين إبليس وجنوده من الجن والإنس. يقول سبحانه مبينا هذا الصراع: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ، وبين جزاءهم فقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وقال أيضا: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ.
وكثيرا ما التمس المجرمون الحجج لرفض الحق، فانظر واسمع كلام الله، يقول تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا، فالقضية قضية كبر وليست آيات يريدونها، ويرد المولى بعد أن أراهم الآية تلو الأخرى على مر العصور فقال: بلى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ. وفي موضع آخر قال: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ، فالعلة في الكبر، فقد رأوا الآيات وما طلبوا ولكنهم استكبروا، ومن هؤلاء المستكبرين قوم فرعون أتاهم بالآيات ومع ذلك تكبروا ورفضوا أمر الله فقال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ، وهذه سنة الله في ترك المتكبرين لأنفسهم تسوقهم للهلاك، قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ، فلا فائدة معهم من حديث أو عقل للأمور بل يأتون دائما بعكس المطلوب منهم.
وبين سبحانه أنه غني عن عبادة الإنس والجن، وأنه الملك من قبل أن يخلق المملوكين، وأنه خلق من يعبده ولا يعصيه من الملائكة فقال عنهم: javascript:; فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ، فإن تكبر هؤلاء فمن عند الله لا يتكبرون ولذلك يسبحونه بالليل والنهار ولا يسأمون، وفي موضع آخر قال: وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ، وقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، فكل من في السماوات والأرض أيضا يعبدونه، وبين في موضع آخر أن سبب عبادتهم أنهم لا يستكبرون فقال: إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ، فالكبر والعبادة لا يجتمعان فلا يدعي أى داع أنه ليس عنده كبر إذا كان لا يحافظ على عباداته، ومثل هذا المعنى تجده في كلام الله: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، فالعبادة تضاد الكبر والمحافظة عليها تساعد في العلاج من الكبر.
وبين سبحانه أن الجميع عبيد لله ويعملون بأمره وأولهم الرسل والملائكة وهم أشرف الخلق، ومن باب أولى أن يعبده من دونهم في الشرف من الإنس والجن، فبين أن ما يمنع من العبادة الحق وإظهار العبودية لله هو الكبر فقال تعالى: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا javascript:;
وتوعد هؤلاء المتكبرين عن طاعته والاستسلام له فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
والمستكبرون دائما ما يؤذون من حولهم خاصة المصلحين، لأن المصلحين يقفون أمامهم وأمام مصالحهم التي تعتمد على إضاعة حقوق الآخرين لأن المتكبر يرى أنه فوق الجميع، فانظر ماذا قالوا للرسل والأنبياء وكيف تعاملوا مع دعوتهم حيث قال تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، وقال: ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ، فهذا فرعون وملؤه الذين هم أصحاب المصالح واتفقت مصالحهم وينتفعون من الفساد من أصغر موظف وصاحب عمل إلى أكبر موظف ورجل أعمال، وقال: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ، وهؤلاء هم نموذج لأصحاب المصالح الكبرى، فقارون يمثل رجال الأعمال الفاسدين، وفرعون يمثل قمة السلطة المستبدة التي لا يحاسبها أحد، وهامان يمثل أصحاب المناصب في الدولة الذين يحكمون مصالح الناس ولكن يقدمون مصالحهم الشخصية على أي أمر، وكل هؤلاء يملأ الكبر قلوبهم ويرون أنهم فوق الآخرين.
والمتكبرون يستضعفون بعض الناس ويتخذونهم جنودا يدافعون عن فسادهم ويمكرون بمن سواهم من الناس، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، ولكن هذه العلاقة النفعية في الدنيا تنقلب إلى عداوة في الآخرة، يقول الله واصفا لقاءهم في الآخرة وحوارهم: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ، وفي موضع آخر يقول: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ويقول أيضا: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ، وكثيرا ما اغتر الكبراء بكبرهم فضلوا وأضلوا من خلفهم، فتلك شكوى الضعفاء لله من الكبراء لعلهم ينجون من العذاب ويتجرع الكبراء العذاب ضعفين، يقول تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا، يتبرءون منهم ولكن هيهات، فانظر كيف يتبرءون من بعضهم البعض وكيف وصف المتكبر المستضعف أنه مجرم ولذلك اتبعه وليس لأنه مستضعف (عبد المأمور) وكيف ندمهم حيث لا ينفع الندم.
والمتكبر عادة ما ينسى أو يتناسى أمر الآخرة فيتمادى في كبره وظلمه، بين ذلك تعالى في قوله: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ، فلا يعقل أبدا أن يتكبر أو يظلم من يعلم أنه سيعود لله للحساب، والله لا يمنعهم الدنيا على الرغم من كبرهم يقول: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ، ويجعل لهم الطريق مزينا ليستمروا قي غيهم وضلالهم فيقول: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، ويقول في موضع آخر: قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا.
وانظر إلى هذه الآية حيث يجعل الله الكبر مرادفا للكفر والظلم، قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
وطلب الله منا إذا رأينا الكبر وأهله أن نستعيذ به منه، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
ولا شك أن أهل الدنيا مراتب ومنهم الكبير والصغير، قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا، والمعنى: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات: هذا غنيٌّ وهذا فقير، وهذا قويٌّ وهذا ضعيف؛ ليكون بعضهم مُسَخَّرًا لبعض في المعاش، وهذا التفاوت يكون أشد في الآخرة، قال سبحانه: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا.
والكبير قد يكون كبيرا لجماله كسيدنا يوسف عليه السلام، قال تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، فأعطوه منزلة الملائكة في الجمال
وهذا أخ كبير سنا، قال تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ
وهذا كبير حجما أو مقاما عند الناس، قال تعالى: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ
وهذا كبير في فن أو صناعة أو منصب أو ما شابه، قال تعالى: قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
وقد يكون خلقا من خلق الله يعظمه الناس، كالشمس والجبال مثلا، قال تعالى: أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ
ولما جعل الله هذا التفاوت في المراتب بين البشر، كان لابد من تذكير كل كبير أن الله هو الكبير العلي الذي يعلو على كل شيء، فيتضاءل كل كبير أمامه عز وجل، قال تعالى مخاطبا الرجال والنساء مبينا مرتبة كل منهما: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ