(28) - [28] أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ طَبَرْزَدَ الْمُؤَدِّبُ، إِجَازَةً، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: كُنْتُ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ حَرَسَهَا اللَّهُ فَأَصَابَنِي يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ جُوعٌ شَدِيدٌ لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَدْفَعُ بِهِ عَنِّي الْجُوعَ، فَوَجَدْتُ كِيسًا مِنْ أَبْرَيْسَمٍ مَشْدُودًا بِشُرَّابَةِ إِبْرَيْسَمٍ أَيْضًا فَأَخَذْتُهُ وَجِئْتُ بِهِ إِلَى بَيْتِي، فَحَلَلْتُهُ فَوَجَدْتُ فِيهِ عِقْدًا مِنْ لُؤْلُؤٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، فَإِذَا شَيْخٌ يُنَادِي عَلَيْهِ وَمَعَهُ خِرْقَةً فِيهَا خَمْسُ مِائَةِ دِينَارٍ وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا لِمَنْ يَرُدُّ عَلَيْنَا الْكِيسَ الَّذِي فِيهِ اللُّؤْلُؤُ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحْتَاجٌ وَأَنَا جَائِعٌ فَآخُذُ هَذَا الذَّهَبَ وَأَنْتَفِعُ بِهِ وَأَرُدُّ عَلَيْهِ الْكِيسَ، فَقُلْتُ لَهُ: تَعَالَ إِلَيَّ، فَأَخَذْتُهُ وَجِئْتُ بِهِ إِلَى بَيْتِي، فَأَعْطَانِي عَلامَةَ الْكِيسِ، وَعَلامَةَ الشُّرَّابَةِ، وَعَلامَةَ اللُّؤْلُؤِ، وَعَدَدَهُ، وَالْخَيْطَ الَّذِي هُوَ مَشْدُودٌ بِهِ، فَأَخْرَجْتُهُ وَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَ إِلَيَّ خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَمَا أَخَذْتُهَا، وَقُلْتُ: يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أُعِيدَهُ إِلَيْكَ وَلا آخُذُ لَهُ جَزَاءً، فَقَالَ لِي: لا بُدَّ أَنْ تَأْخُذَ وَأَلَحَّ عَلَيَّ كَثِيرًا فَلَمْ أَقْبَلْ مِنْهُ فَتَرَكَنِي وَمَضَى، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنِّي، فَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ مَكَّةَ وَرَكِبْتُ الْبَحْرَ، فَانْكَسَرَ الْمَرْكَبُ، وَغَرِقَ النَّاسُ، وَهَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَسَلِمْتُ أَنَا عَلَى قِطْعَةٍ مِنَ الْمَرْكَبِ، فَبَقِيتُ مُدَّةً فِي الْبَحْرِ لا أَدْرِي أَيْنَ أَذْهَبُ؟ فَوَصَلْتُ إِلَى جَزِيرَةٍ فِيهَا قَوْمٌ، فَقَعَدْتُ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ فَسَمِعُونِي أَقْرَأُ فَلَمْ يَبْقَ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ أَحَدٌ إِلَّا جَاءَ إِلَيَّ وَقَالَ: عَلِّمْنِي الْقُرْآنَ، فَحُصِّلَ لِي مِنْ أُولَئِكَ الْقَوْمِ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ أَوْرَاقًا مِنْ مُصْحَفٍ فَأَخَذْتُهَا أَقْرَأُ فِيهَا، فَقَالُوا: تُحْسِنُ تَكْتُبُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالُوا: عَلِّمْنَا الْخَطَّ، فَجَابُوا أَوْلَادَهُمْ مِنَ الصِّبْيَانِ وَالشَّبَابِ فَكُنْتُ أُعَلِّمُهُمْ فَحُصِّلَ لِي أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَقَالُوا لِي بَعْدَ ذَلِكَ: عِنْدَنَا صَبِيَّةٌ يَتِيمَةٌ وَلَهَا شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا نُرِيدُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهَا فَامْتَنَعْتُ فَأَلْزَمُونِي وَقَالُوا: لا بُدَّ، فَأَجَبْتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا زَفُّوهَا إِلَيَّ مَدَدْتُ عَيْنِي أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَوَجَدْتُ ذَلِكَ الْعِقْدَ بِعَيْنِهِ مُعَلَّقًا فِي عُنُقِهَا فَمَا كَانَ لِي حِينَئِذٍ شُغْلٌ إِلَّا النَّظَرُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا شَيْخُ كَسَرْتَ قَلْبَ هَذِهِ الْيَتِيمَةِ مِنْ نَظَرِكَ إِلَى هَذَا الْعِقْدِ وَلَمْ تَنْظُرْ إِلَيْهَا، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِمْ قِصَّةَ الْعِقْدِ فَصَاحُوا وَصَرَخُوا بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ حَتَّى بَلَغَ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، فَقُلْتُ: مَا بِكُمْ؟ قَالُوا: ذَلِكَ الشَّيْخُ الَّذِي أَخَذَ مِنْكَ الْعِقْدَ أَبُو هَذِهِ الصَّبِيَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ: مَا وَجَدْتُ فِي الدُّنْيَا مُسْلِمًا إِلَّا هَذَا الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ هَذَا الْعِقْدَ، وَكَانَ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى أُزَوِّجَهُ بِابْنَتِي، وَالآنَ قَدْ حَصَلَ، وَاسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَةُ أَبِيهَا، فَبَقِيتُ مَعَهَا مُدَّةً، وَرُزِقْتُ مِنْهَا وَلَدَانِ، ثُمَّ إِنَّهَا مَاتَتْ فَوَرِثْتُ الْعِقْدَ أَنَا وَوَلَدَيَّ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدَانِ فحصل الْعِقْدُ لِي، فَبِعْتُهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَهَذَا الْمَالُ الَّذِي تَرَوْنَ مَعِي مِنْ بَقَايَا ذَلِكَ الْمَالِ، وَأَنْشَدَ عَقِيبَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ لِغَيْرِهِ:
إِنِّي لأَعْلَمُ وَالأَقْدَارُ جَارِيَةٌ ... إِنَّ الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي
أَسْعَى لَهُ فَيُعَنِّينِي تَطَلُّبُهُ ... وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لا يُعَنِّينِي