(32) - [32] أَخْبَرَنَا الإِمَامُ الْعَالِمُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ رَاجِحٍ الْمَقْدِسِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَكُمُ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السِّلَفِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ، قَالَ: أنبا الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلافُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: أنبا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْحَمامِيُّ الْمُقْرِئُ، قثا أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْمَوْصِلِيُّ، بِالْمَوْصِلِ، قثا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ، قثا أَبُو عُمَرَ النَّحْوِيُّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلِي بِمَكَّةَ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَدَقَّ بَابِي فَخَرَجْتُ فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ، قَالَ: وَيْحَكَ يَا عَبَّاسِيُّ إِنَّهُ قَدْ حَاكَ فِي صَدْرِي أَشْيَاءُ فَهَلْ تَعْرِفُ لِي أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، قَالَ: وَهُوَ شَاهِدٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ فَدَقَقْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ، قَالَ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ، فَحَدَّثَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَابْنَ عُيَيْنَةَ أَعَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا عَبَّاسِيُّ اقْضِ دَيْنَهُ فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبَّاسِيُّ مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا فَهَلْ تَعْرِفُ لِي غَيْرَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ عَبْدَ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيَّ، قَالَ: وَهُوَ شَاهِدٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَآتَيْنَا عَبْدَ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيَّ فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ لِي: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سُفْيَانُ، فَقَالَ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ فَحَدَّثَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّزَّاقِ أَعَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا عَبَّاسِيُّ اقْضِ دَيْنَهُ، قَالَ: فَخَرَجْنَا، قَالَ: يَا عَبَّاسِيُّ مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبَاكَ شَيْئًا فَهَلْ تَعْرِفُ غَيْرَهُمَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ هَاهُنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: وَشَاهِدٌ هُوَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَآتَيْنَا فُضَيْلا فَإِذَا هُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ قَائِمٌ يُصَلِّي يَتْلُو آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا، فَجَعَلَ هَارُونُ يَسْتَمِعُ وَيَبْكِي، وَكَانَ هَارُونُ رَجُلا رَقِيقًا، قَالَ: فَدَقَقْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَالِي وَلأَمِير الْمُؤْمِنِينَ. قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَوَمَا عَلَيْكَ طَاعَةٌ؟ قَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"؟ فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ طَلَعَ الْغُرْفَةَ فَأَطْفَأَ السِّرَاجَ، ثُمَّ الْتَجَأَ إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْغُرْفَةِ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَجُولُ أَنَا وَهَارُونُ فِي الْبَيْتِ بِأَيْدِينَا فَسَبَقَتْ كَفُّ هَارُونَ كَفِّي إِلَيْهِ، فَسَمِتْعُهُ وَهُوَ يَقُولُ: أَوْهٍ مِنْ كَفٍّ مَا أَلْيَنُهَا إِنْ نَجَتْ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ سَيُكَلِّمُهُ بِكَلامٍ نَقِيٍّ مِنْ قَلْبٍ تَقِيٍّ، قَالَ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلافَةَ دَعَا سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ الْكِنْدِيَّ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْبَلاءِ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ، فَأَعَدَّ الْخِلافَةَ بَلِيَّةً، وَعَدَدْتَهَا نِعْمَةً أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، فَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَرَدْتَ النَّجَاةَ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ G فَصُمِ الدُّنْيَا وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ مِنْهَا الْمَوْتَ، وَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَرَدْتَ النَّجَاةَ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَلْيَكُنْ كَبِيرُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَكَ أَبًا، وَأَوْسَطُهُمْ عِنْدَكَ أَخًا، وَأَصْغَرُهُمْ عِنْدَكَ وَلَدًا، فَأَكْرِمْ أَبَاكَ، وَوَقِّرْ أَخَاكَ، وَتَحَنِّنْ عَلَى وَلَدِكَ، وَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: إِذَا أَرَدْتَ النَّجَاةَ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ G فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ ثُمَّ مُتْ إِذَا شِئْتَ، وَإِنِّي لأَقُولُ لَكَ هَذَا وَإِنِّي لأَخَافُ عَلَيْكَ أَشَدَّ الْخَوْفِ مِنْ يَوْمٍ تُزَلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ، فَهَلْ مَعَكَ مِثْلُ هَذَا رَحِمَكَ اللَّهُ، أَوْ مَنْ يَأْمُرُكَ بِمِثْلِ هَذَا، فَبَكَى هَارُونُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: ارْفُقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَحِمَكَ اللَّهُ، قَالَ: يَا ابْنَ أُمِّ الرَّبِيعِ تَقْتُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ وَأَرْفُقُ بِهِ أَنَا؟ قَالَ: فَأَفَاقَ هَارُونُ ثُمَّ اسْتَوَى جَالِسًا، فَقَالَ: زِدْنِي، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَلَغَنِي أَنَّ وَالِيًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ شُكِيَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: يَا أَخِي أُذَكِّرُكَ طُولَ سَهَرِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مَعَ خُلُودِ الأَبَدِ، فَإِنَّ أَجَلَكَ يَطْرُدُكَ إِلَى الْمَوْتِ نَائِمًا وَيَقْظَانًا، وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْصَرِفَ بِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ G فَيَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ وَمُنْقَطَعَ الرَّجَاءِ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَى الْبِلادَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: قَدْ خَلَعْتَ قَلْبِي بِكِتَابِكَ وَلا أَعُودُ إِلَى وِلايَةٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ G فَبَكَى هَارُونُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَوَى جَالِسًا فَقَالَ: زِدْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَاكَ عَمَّ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم سَأَلَ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَمِّرْنِي، فَقَالَ:"يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم نَفْسٌ تُحْيِيهَا خَيْرٌ مِنْ إِمَارَةٍ لا تُحْصِيهَا فَإِنَّ الإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: يَا حَسَنَ الْوَجْهِ أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِيَ هَذَا الْوَجْهَ الْحَسَنَ مِنَ النَّارِ فَافْعَلْ، وَلا تُصْبِحُ وَتُمْسِي وَفِي قَلْبِكَ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ وِلايَتِكَ غِشٌّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ وَلِيَ أُمَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَصْبَحَ لَهُمْ غَاشًّا لَمْ يَرُحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ".قَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ هَلْ عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ دَيْنٌ لِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُحَاسِبْنِي بَعْدُ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ نَاقَشَنِي، وَوَيْلٌ لِي إِنْ سَأَلَنِي، وَوَيْلٌ لِي إِنْ وَافَقَنِي، وَوَيْلٌ لِي إِنْ لَمْ أُلْهَمْ حُجَّتِي قَالَ: أُعِينُكَ مِنْ دَيْنِ الْعِبَادِ؟ قَالَ: لا لأَنَّ عِنْدِي خَيْرًا كَثِيرًا لا أَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَأَنَّهُ يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْيَقِينَ وَالدُّعَاءَ، قَالَ: فَهَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ خُذْهَا تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى عِيَالِكَ وَزَمَانِكَ وَتُوَسِّعُ بِهَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: إِنَّ رَبِّي G لَمْ يَأْمُرْنِي بِهَذَا أَمَرَنِي أَنْ أُطِيعَ أَمْرَهُ وَأَصْدُقُ وَعْدَهُ وَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ 56} مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ {57} إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ {58} فَرَاجَعَهُ، فَقَالَ: يَا هَذَا أَنَا أَصِفُ لَكَ طَرِيقَ النَّجَاةِ وَأَنْتَ تُكَافِئُنِي بِمِثْلِ هَذَا، ثُمَّ صَمَتَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا شَيْئًا حَتَّى خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ هَارُونُ: يَا عَبَّاسِيُّ إِذَا دَلَلْتَنِي فَدُلَّنِي عَلَى مِثْلِهِ هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ