فهرس الكتاب
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَلَعَلَّ مُتَوَهِّمًا يَتَوَهَّمُ مِمَّنْ لَمْ يَتَبحر الْعِلْمَ وَلاَ يُحْسِنُ صِنَاعَتَنَا فِي التَّأْلِيفِ بَيْنَ الأَخْبَارِ، فَيَتَوَهَّمَ أَنَّ خَبَرَ ابْنَ مَسْعُودٍ يُضَادُّ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ، وَخَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ يُضَادُّ خَبَرَهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، هُوَ عِنْدَنَا بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ.
أَمَّا خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ يُمْسِكُ مَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ عَلَى أَصَابِعِهِ، عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ، سَوَاءً قَبْلَ تَبْدِيلِ اللهِ الأَرْضَ غَيْرَ الأَرْضِ، لأَنَّ الإِمْسَاكَ عَلَى الأَصَابِعِ غَيْرُ الْقَبْضِ عَلَى الشَّيْءِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ فِي اللُّغَةِ الَّتِي خُوطِبْنَا بِهَا؛ لأَنَّ الإِمْسَاكَ عَلَى الشَّيْءِ بِالأَصَابِعِ غَيْرُ الْقَبْضِ عَلَى الشَّيْءِ، وَنَقُولُ: ثُمَّ يُبَدَّلُ اللَّهُ الأَرْضَ غَيْرَ الأَرْضِ، كَمَا خبر مُنَزِّلُ الْكِتَابِ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ فِي قَوْلِهِ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} وَبَيَّنَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِفَةَ تَبْدِيلِ الأَرْضِ غَيْرَ الأَرْضِ، فَأَعْلَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَدِّلُهَا، فَيَجْمَعُهَا خُبْزَةً وَاحِدَةً، فَيَقْبِضُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ كَمَا خَبَّرَ فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه، ويكفئها كَمَا أَعْلَمَ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَالأَخْبَارُ الثَّلاَثَةُ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ صَحِيحَةُ الْمَعَانِي عَلَى مَا بَيَّنَاه