فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 851

وَمَنْ تَدَبَّرَ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وَوُفِّقَ لإِدْرَاكِ الصَّوَابِ، عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الآيَتَيْنِ مَا يَسْتَحِقُّ مَنْ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ الرَّمْيَ بِالْفِرْيَةِ عَلَى اللهِ، كَيْفَ بِأَنْ يَقُولَ: قَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللهِ؟.

لأَنَّ قَوْلَهُ: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُثْبِتُ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِقَهُ عَزَّ وَجَلَّ.

, قَدْ يَحْتَمِلُ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} عَلَى مَا قَالَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ لِمَوْلاَهُ عِكْرِمَةَ ذَاكَ نُورُهُ الَّذِي هُوَ نَوَّرَهُ، إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ لاَ يُدْرِكُهُ شَيْءٌ.

وَالْمَعْنَى الثَّانِي، أَيْ: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} أَبْصَارُ النَّاسِ؛ لأَنَّ الأَعَمَّ وَالأَظْهَرَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الإِبْصَارَ إِنَّمَا تقع عَلَى أَبْصَارِ جَمَاعَةٍ، لاَ أَحْسِبُ غَرِيبًا يخبر مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ أَنْ يقال لِبَصَرِ امْرِئٍ وَاحِدٍ أَبْصَارٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ لِبَصَرِ امْرِئٍ وَاحِدٍ بَصَرٌ، وَلاَ سَمِعْنَا عربيا يَقُولُ: لِعَيْنِ امْرِئٍ وَاحِدٍ بَصَرَيْنِ، فَكَيْفَ أَبْصَارٌ.

وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ الأَبْصَارَ تَرَى رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا لَكِنَّا قَدْ قُلْنَا الْبَاطِلَ وَالْبُهْتَانَ.

فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى رَبَّهُ دُونَ سَائِرِ الْخَلْقِ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ سائر الأَبْصَارَ قَدْ رَأَتْ رَبَّهَا فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَكُونُ يَا ذَوِي الْحِجَا مَنْ يُثْبِتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محمدًا قَدْ رَأَى رَبَّهُ، دُونَ سَائِرِ الْخَلْقِ مُثْبِتًا أَنَّ الأَبْصَارَ قَدْ رَأَتْ رَبَّهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت