تصنع بقتال اهل الارض؟! ارايتك ان غلبت على جميع الارض، وحويت ما فيها؛ ألست تاركها لمن لا يحمدك، وتقدم على من لا يعذرك.
قال الاسكندر: انى لموقن بذلك، غير انى لا املك لنفسى ضرّا «1» ولا نفعا ولا «2» تعلمون انّ امواج البحار لا تتحّرك حتى يبعث الله، عزّ وجلّ، عليها الرياح فيّحركها؛ فكذلك بنو آدم انّما هم محرّكون مبعوثون. ولو أنّي تركت القتال، ما تركه الناس للاغراء بينهم. ولستم تعلمون انّ الله، تبارك وتعالى، يرفع ويضع ويأخذ ويعطى ويقضى ويقدر. وقد بعثنى على من عصاه من خلقه واكل رزقه وعبد غيره، واجرى على يدى قتلهم. فكيف استيطع ان اردّ ما قضى الله، عزّ وجلّ، من ذلك وقدّره.
ثم قال: يا معشر البر جمانيين انّ الله تبارك وتعالى قد خّصكم بالعلم، وحلّاكم بالزهادة، وزيّنكم بالحكمة، وتفضّل عليكم بالعصمة، ورزقكم «3» من ذلك ما لم يرزقه أحدا من اهل الارض، فاصرف قلوبكم عن حبّ الدنيا وفرّغكم للعبادة. فسلونى حكمكم من زهرة الدنيا. قالوا: ايّها العبد انّك اتعبت نفسك؛ واسهرت ليلك، وانصبت نهارك، وبرزت للناس تأخذ دنياهم، لا تشبع من شى ء كلّما «4» اعطيت شيئا، احببت ان تزداد «5» عليه مثله. ونحسبك «6» : لو اعطيت ما بين الخافقين، لشرهت نفسك الى ما في البحور، وان نهمتك لا تنتهى عنك، حتّى يبلغك اللّه اجلك، وقد «7» دنا ذلك، فاحذر!
قال الاسكندر: فان معى ياقوت وجوهر، فخذوه واقسموا بينكم، فانتفعوا به «8» في امر دنياكم. قالوا: هلّم ذلك لننظر اليه، فأمر باسفاط من افاضل الجواهر، وقد كان حملها لهم.
ففتحت قالوا: ايها الملك ايعجبك هذا؟ قال: ليس شى ء اعجب الينا منه. قالوا: فانطلق معنا حتى نريك ما هو احسن منه واكثر، وليس عليك فيه مؤونة ولا مشقة. فانطلقوا به الى نهر عظيم حجارته يواقيت وصنوف الجوهر وما لم ير مثله قط. فقالوا: هذا اكثر، او ما جئتنا به؟ قال: بل هذا اكثر واجود. قالوا: والذى نزع عن قلوبنا الرغبة، ووفقّنا للطاعة، وقوّانا للعباده. ما تزينت امرأة منّا قطّ بشى ء من هذا، ولا انتفعنا «9» به بفصّ خاتم فضلا عنه «10» .
فاقام الاسكندر بمكانه حتى جاء السبت، وسكن ذلك الرمل، فجازه، وسار حتّى
(1) . النهاية: لا ضرا
(2) . الصحيح: اولا
(3) . تاريخ: يرزقكم
(4) . تاريخ: فكلما
(5) . تاريخ: تزاد
(6) . اصل: بحسبك، تاريخ: حسبك
(7) . تاريخ: فقد
(8) . تاريخ: فيه
(9) . تاريخ: او الانتفاع
(10) . تاريخ: خانم منه