فهرس الكتاب
.. وسئل الأستاذ علي بن وفا رضي الله عنه من بعض العارفين، على لسان بعض المعترضين: لمَ دوّن هؤلاء العارفون معارفهم وأسرارهم التي تضر بالقاصرين من الفقهاء وغيرهم؟ أما كان عندهم من الحكمة وحسن الظن والنظر والرحمة بالخلق ما يمنعهم عن تدوينها؟ فإن كان عندهم ذلك فمخالفتهم له نقص! وإن لم يكن عندهم حكمة ولا حسن ظن فكفاهم ذلك نقصًا؟! فأجاب بقوله: يقال لهذا السائل: أليس الذي أطلع شمس الظهيرة، ونشر ناصع شعاعها مع إضراره بأبصار الخفافيش ونحوها من أصحاب الأمزجة الضعيفة، عليم حكيم؟ فلا يسعه إلا أن يقول: نعم هو تعالى عليم حكيم، فإن قال: صحيح ذلك، ولكن عارض ذلك مصالح أخر تربو على هذه المفاسد، قلت: وكذلك الجواب عن مسألتك، فكما أن الحق تعالى لم يترك إظهار أنوار شمس الظهيرة مراعاة لأبصار من ضعف بصره! فكذلك العارفون لا ينبغي لهم أن يراعوا أفهام هؤلاء المحجوبين عن طريقهم، بل الزاهدين فيها، بل المنكرين عليها.. وحسبك جوابًا أن من دوّن المعارف والأسرار، لم يدونها للجمهور، بل لو رأى من يطالع فيها ممن ليس هو بأهلها لنهاه عنها.
* ملحوظة:
هذا سبب من أسباب تدوين هذياناتهم التي يسمونها (علمًا) ظلمًا للعلم، ويسمونها (حقيقة) ظلمًا للحقيقة! ونتابع:
.. وكان بعض العارفين يقول: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا؛ وكذلك لا يجوز أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به، فمن نقله إلى من لا يؤمن به، دخل هو والمنقول إليه جهنم الِإنكار، وقد صرح بذلك أهل الله تعالى على رءوس الأشهاد، وقالوا: من باح بالسر استحق القتل، ومع ذلك فلم يسمع أهل الغفلة والحجاب، بل تعدوا حدود القوم، وأظهروا كلامهم لغير أهله...
* وقفة قصيرة: هذا الكلام كله مغالطات، سيأْتي تفصيلها إن شاء الله تعالى بين ثنايا النصوص.. نتابع.