فهرس الكتاب
..وما ذلك إلا لدقة مداركهم (أي: الصوفية) حين صفت قلوبهم وخلصت من شوائب الكدورات الحاصلة بارتكاب الشهوات والآثام! ولا يجوز لأحد أن يعتقد في هذه السادة! أنهم ما يخفون كلامهم إلا لكونهم فيه على ضلال، حاشاهم من ذلك!! فهذا سبب رمز من جاء بعدهم للعبارات التي دونت، وكان من حقها أن لا تذكر إلا مشافهة، ولا توضع في الطروس، ولكن لما كان العلم يموت بموت أهله إن لم يدوّن، دوّنوا علمهم ورمزوه مصلحة للناس، وغيرةً على أسرار الله أن تذاع بين المحجوبين.
وأنشدوا في ذلك:
ألا إن الرموز دليل صدقٍ ... ... على المعنى المغيّب في الفؤاد
وكل العارفين لها رموزٌ ... ... وألغازٌ تدق على الأعادي
ولولا اللغز كان القولُ كفرًا ... ... وأدّى العالمين إلى الفسادِ
* والآن.. ليست وقفة، بل مشية! إذا قال الشاعر: (الرموز دليل صدق) فقد كذب الشاعر وكذب شعره؛ لأن الرموز عكاكيز الدجاجلة، والشعراء يتبعهم الغاوون، أما اصطلاحهم فقد غدا معروفًا لدى الباحث، ولننتبه بشكل خاص إلى قوله: (ولولا اللغز كان القول كفرًا) . نتابع.
فقد بان لك أنه ليس للإنسان مقابلة الوحوش والسباع الكواسر والظهور لهم، إلا إن علم قدرته على دفع أذيتهم له بتهيؤ أسباب القهر لهم بالقوة والمكنة والأنصار، فإن قيل: فلمَ لم يترك هذا العارف إظهار معارفه وأسراره بالكلية ويدخل فيما فيه الجمهور حتى يتمكن ويقوى فيكون ذلك أسلم له؟
* نعود إلى الوقفة، هنا أراد بقوله: (بتهيؤ أسباب القهر لهم بالقوة..) أن تكون (عبارة إشارية) فكانت أقرب إلى الإفصاح! لقد أشارت هذه العبارة إلى الكيد الذي يكيدونه للإسلام، وأفصحت عن الخطة التي وضعوها لذلك! أو بالأصح: الخطة الذي وضعها الشيطان ليكيد للإسلام باستخدامهم واستغلالهم! وفي قوله: (ويدخل فيما فيه المجهور حتى يتمكن..) إفصاح كامل عن أن ما هم فيه يختلف كل الاختلاف عما فيه الجمهور، أي: عن الإسلام. نتابع.