فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 80

أن يقال: مراده بالوهابية الشيخ محمد بن عبدالوهاب، و من انتفع بدعوته السلفية رحمهم الله، و قد علم أنه رحمه الله لم يأت بجديد، و إنما جدد للناس ما اندرس من معالم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد؛ حيث خرج في مجتمع قد غلب عليه الشرك و وسائله: كعبادة الأموات، و عمارة ما يسمى بالمشاهد برفع قبور الصالحين و الأولياء، و بناء القباب عليها، و تحري الصلاة عندها، بالعكوف حولها، و بالذبح لها تعظيمًا و احترامًا، و بإيقاد السرج عليها طوال الليل، و بالنذور، و الهدايا إلى تلك الضرائح، و تعليق الرجاء عليها، و الهتاف بأسماء الأموات، و ندائهم و دعائهم مع الله، كقبر: شمسان، و تاج، و يوسف، و زيد بن الخطاب، و نحوهم، فَبيّن لأهل زمانه أن حقهم علينا محبتهم و أتباعهم، و العمل مثل أعمالهم. فأما الدعاء، و الرجاء، و الذبح، و النذر، فهو خالص حق الله، و أورد لهم النصوص الصريحة في مصادمة ما فعلوه للتوحيد، كقوله صلى الله عليه و سلم:"لعن الله من ذبح لغير الله". مع قوله تعالى: (( فصل لربك و انحر ) ) (الكوثر:2) أي: خصَّه وحده بالصلاة و النحر، فمتى صلى أحد أو نحر لغير الله فقد أشركه في حق الله، و بين لهم أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد، فقال قبل أن يموت بخمس:"ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".

و قال و هو في سياق الموت:"لعن الله اليهود و النصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا.

و قال صلى الله عليه و سلم:"لعن الله زائرات القبور و المتخذين عليها المساجد و السرج". و دعى ربه فقال:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". و المعنى: أن الأولين أشركوا حيث تحروا الصلاة عند قبور الأولياء و الأنبياء، فكل موضع قصدت الصلاة فيه فهو مسجدٌ، لم يُبْنَ مسجد له منبر موجه إلى القبلة، فإن المسجد ما يتخذ للركوع و السجود فيه.

فأهل ذلك الزمان قد غلب عليهم قصد قبور الأولياء و الصالحين؛ للصلاة عندها، لاعتقاد أن للصلاة هناك مزية، و أنها أفضل من الصلاة في المساجد، و مع جماعة المسلمين، أو أن ذلك الولي يشفع في هذه الصلاة لتُقْبَل أو يضاعفَ ثوابها و نحو ذلك من الاعتقادات الفاسدة، و لا شك أن هذا تعظيم للمخلوق، و رفع لمنزلته إلى درجة لا يستحقها إلا الله.

فأما الرسول محمد صلى الله عليه و سلم، فإننا نمجده و نحبه و نقدم محبته على الأنفس و الأموال؛ فإنّ ذلك شرط لصحة الإيمان، لقوله صلى الله عليه و سلم:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، و والده و الناس أجمعين"، و لكن لا نخرجه بهذه المحبة عن طبيعة البشر فنجعله ربًا، أو إلهًا، أو خالقًا، أو رازقًا، و إنما ميزته الرسالة؛ حيث فضّله الله على جميع البشر، و أنزل عليه الوحي و كلفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت