فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 80

ثم قال الكاتب:

[من ذاق حلاوة أنسه رأى من لطفه العجائب، و تمتع بلذيذ الخطاب بعد رفع الحجاب، قال تعالى: (( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ) ) (الأحزاب:45) . لفظ (أيها) بالذات في لغة العرب، لا يقال إلا عند المواجهة، و الشاهد لا يكون عن غيبة بل لابد من حضور، قال صلى الله عليه و سلم:"و جعلت قرة عيني في الصلاة"] .

جوابه:

أن نقول: يعتقد الصوفية أن حلاوة الأنس بالله تعالى، لا تحصل إلا بالخلوة الطويلة و الانفراد، و يسمون تلك الخلوة جمعية القلب، فإن أحدهم ينفرد في زاوية من مكان مظلم، و يبدأ في التفكير و يطيل النظر، و يتناسى الخلق كلهم، و يجمع همه على ربه، فربما ترك عدة صلوات متوالية تمر به حالة انفراده مخافة تفرق همومه و فساد جمعيته. و في النهاية يزعم أنه يحصل له في تلك الخلوة مكاشفات و اطلاع على الملأ الأعلى، و على أمور غيبية و خفية، و يسمى ذلك لذة الأنس، أو حلاوة المناجاة، و يزعم أنه يتمتع بلذيذ الخطاب، و يرفع له الحجاب عن ربه فيطلع بقلبه على ما أخفِي عن غيره، و يسمى الذين لم يصلوا إلى درجته و منزلته: محجوبين مبعَدين عن القرب الذاتي إلى ربهم، و قد يصل أحدهم إلى غاية قصوى تسمى عندهم بالفناء؛ بحيث يفنى أحدهم بموجوده عن وجوده، و بمشهوده عن شهوده؛ بحيث يفنى من لم يكن، و يبقى من لم يزل، و قد تجرهم هذه الأحوال إلى عقيدة سيئة هي اتحاد الخالق بالمخلوق (عقيدة أهل الحلول) ، و قد يزعم بعضهم أن مشايخهم و أكابرهم يصلون إلى درجة تسقط عنهم التكاليف، و تباح لهم المحرمات، و نحو ذلك من الخرافات، التي يمدحهم لأجلها هذا الكاتب و أضرابه.

و نحن نقول: إن حلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغال بذكره و دوام عبادته، و البعد عن القواطع و الشواغل التي تقسي القلب، و تحول بينه و بين التفكير في آلائه، و التذكر لنعمائه.

و قد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بأن للإيمان حلاوة و طعمًا كما في قوله صلى الله عليه و سلم:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما، و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، و أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". و قال صلى الله عليه و سلم:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، و بالإسلام دينًا، و بمحمد صلى الله عليه و سلم رسولًا نبيًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت