الصفحة 136 من 314

من سورة الأنبياء

(اقتراب حساب الناس ومجازاتهم على أعمالهم وهم في غفلة معرضون)

قال الله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [1] هذا تعجب من حالة الناس وأنهم لا ينفع فيهم تذكير ولا يرعوون إلى نذير، وأنهم قد قرب حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة، والحال أنهم (في غفلة معرضون) أي في غفلة عما خلقوا له وإعراض عما زجروا به كأنهم للدنيا خلقوا وللتمتع بها ولدوا وأن الله تعالى لا يزال يجدد لهم التذكير والوعظ ولا يزالون في غفلتهم وإعراضهم ولهذا قال (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) يذكرهم ما ينفعهم ويحثهم عليه وما يضرهم ويرهبهم منه وهذا إخبار أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزله الله على رسوله (محدث) أي جديد إنزاله (إلا استمعوه) سماعا تقوم عليهم به الحجة حيث لم يعملوا به (وهم يلعبون لاهية قلوبهم) أي قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة قد اشتغلوا بتناول الشهوات والعمل بالباطل والأقوال الخاطئة مع أن الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه وتستمعه استماعا تفقه المراد منه وتسعى جوارحهم في عبادة ربهم التي خلقوا لأجلها ويجعلون القيامة والحساب والجزاء نصب أعينهم فبذلك يتم لهم أمرهم وتستقيم أحوالهم وتزكو أعمالهم.

ثم ذكر ما يتناجى به الكافرون والظالمون على وجه العناد ومقابلة الحق بالباطل وأنهم تناجوا وتواطأوا فيما بينهم أن يقولوا في الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه بشر مثلكم فما الذي فضله عليكم وخصه من بينكم فإنه ساحر وما جاء به من القرآن سحر (أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) أفتتبعونه فتكونوا كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر، فقال تعالى: مجيبا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض) أي أن الله تعالى يعلم القول الجلي والخفي في السماء والأرض لا يخفى عليه خافية في جميع أرجائها وهو السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم.#

(1) سورة الأنبياء آية 1 - 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت