الصفحة 143 من 314

والدارمي وصححه الحاكم والمنذري [1] .#

2 -الجمع بين الإحسان في عبادة الله والخوف من عقابه

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} سورة المؤمنون آية

لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن الذين يزعمون أن إعطاء الله إياهم في الدنيا دليل على كرامتهم وفضلهم -ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف فقال (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من ربهم خائفون أن لا يقبل منهم، وسوء ظن بأنفسهم أن لا يكونوا قد قاموا بحق الله تعالى وخوفا على إيمانهم من الزوال ومعرفة منهم بربهم وما يستحقه من الإجلال والإكرام، وخوفهم وإشفاقهم يوجب لهم الكف عن الذنوب وعدم التقصير في الواجبات (والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) أي يصدقون بآيات الله الشرعية والأفقية والكونية، وإذا تليت عليهم آيات الله زادتهم إيمانًا وتفكرا ويقينا (والذين هم بربهم لا يشركون) أي لا يعبدون معه غيره بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، فلا يشركون شركًا جليًا كاتخاذ غير الله معبودًا يدعوه أو يرجوه أو يخافه أو يحبه كمحبة الله ولا شركًا خفيًّا كالرياء ونحوه بل هم مخلصون لله في أقوالهم وأفعالهم وسائر أحوالهم.

(والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) أي يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، ويعطون من أنفسهم مما أمروا به ما آتوا من كل ما يقدرون عليه من صلاة وزكاة وحج وصدقة وقراءة وذكر وغير ذلك، ويخافون أن لا يقبل منهم (أنهم إلى ربهم راجعون، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) أي يخافون عند رجوعهم إلى الله أن لا تكون أعمالهم مقبولة، وهم يسارعون في أعمال الخير همهم فيما يقربهم إلى الله وإرادتهم مصروفة فيما ينجي من عذابه فكل خير سمعوا به بادروا إليه فهم يسارعون في كل خير وينافسون في الزلفى عند ربهم.

ولما كان السابق لغيره قد يسبق بجده وتشميره، وقد لا يسبق لتقصيره -أخبر أن هؤلاء من القسم السابقين، فقال (وهم لها) أي للخيرات (سابقون) قد بلغوا أعلاها،

(1) انظر مشكاة المصابيح 1/ 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت