فهرس الكتاب
من سورة الذاريات
من أوصاف المتقين وثوابهم
قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} (15 - 23) من سورة الذاريات.
يقول الله تعالى مخبرًا عن ثواب المتقين لله بطاعته بفعل ما أمر واجتناب ما نهى، وذكر أعمالهم التي وصلوا بسببها إلى ذلك الجزاء فقال تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون) أي جازاهم الله من فضله بسبب تقواهم بدخول جنات النعيم المشتملة على ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين والمشتملة على العيون الجارية التي يشرب منها عباد الله يفجرونها تفجيرًا (آخذين ما آتاهم ربهم) أي الجنة من النعيم والسرور والغبطة، ويحتمل أن هذا وصف المتقين في الدنيا وأنهم آخذين ما آتاهم الله من الأوامر والنواهي يمتثلونها ويعملون بما فرض الله عليهم فيها (إهم كانوا قبل ذلك محسنين) أي كانوا في الدار الدنيا محسنين في عبادة الله مخلصين له فيها محسنين إلى عباد الله بالقول والفعل والمال والجاه والعلم والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من طرق البر وأنواع الإحسان. ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق صلاة الليل الدالة على الإخلاص ولهذا قال (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) أي كان قليلا من الليل هجوعهم أي نومهم بالليل قليلا وأما أكثر الليل فإنهم قانتون لربهم ما بين صلاة وقراءة وذكر لله واستغفار ودعاء وتضرع (وبالأسحار هم يستغفرون) أي يطلبونه المغفرة لذنوبهم والأسحار آخر الليل، وللاستغفار بالأسحار خصوصية وفضيلة ليست لغيره كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة (وبالأسحار هم يستغفرون) {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [1] (وفي أموالهم حق معلوم) أي جزء مقسوم من واجب ومستحب (للسائل والمحروم) أي للذي يتعرض للسؤال وله حق كما في الحديث: «للسائل حق وإن جاء على فرس» رواه أبو داود وصححه السيوطي في الجامع الصغير، وأما المحروم فهو الفقير المحتاج المتعفف الذي لا يجد ما يغنيه (وفي الأرض
(1) سورة آل عمران آية 17.