الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد فقد منَّ الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعل ذمَّ المشركين له رفعةً وعلوًا فكلما ذمه ذام منهم وانتقصه أكرمه الله ببشارة هي خير من الدنيا وما فيها [1] ومن ذلك أن العاص بن وائل السهمي كان إذا ذُكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، لو هلك انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله تعالى في ذلك (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) إلى آخر السورة [2] .
ومما قيل في سبب نزولها ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم كعب بن الأشرف [3] مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا المُصَنْبر المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [4] .وهذا هو ديدن اليهود والمنافقين في كل زمان ومكان
(1) ومن ذلك ما رواه جندب رضي الله عنه قال: أبطأ جبريل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال المشركون قد ودع محمد فأنزل الله عز وجل (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) رواه مسلم (4757) ورواه البخاري (4698) بلفظ: اشتكى النبي صلى الله عليه و سلم فلم يقل ليلة أو ليلتين فأتته امرأة فقالت يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله عز و جل (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) .
(2) رواه الواحدي في أسباب النزول /307 والبيهقي في البعث والنشور (117) وانظر: تفسير البغوي 8/ 560 تفسير الخازن 7/ 305 البداية والنهاية 5/ 328
(3) كان كعب بن الأشرف موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم في جملة مَن وادعه من يهود المدينة وكان عربيا من بني طيء وكانت أمه من بني النضير فلما قُتل أهل بدر شق ذلك عليه وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا(51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52 ) ) ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار يهجو بها النبي صلى الله عليه وسلم ويشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم (مَن لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله) .أحكام أهل الذمة 3/ 1419 زاد المعاد 3/ 191 وقد قتله محمد بن مسلمة وآخرون رضي الله عنهم في قصة رواها البخاري (3811) ومسلم (4765) .
(4) رواه النسائي في الكبرى (11707) وابن جرير (9786) وابن المنذر (1882) وصححه ابن حبان (6572) والبزار في مسنده (2293) واللفظ له قال ابن كثير عن إسناد البزار: صحيح. التفسير 8/ 504