مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد العالمين، وخيرة الله من الخلق أجمعين. وبعد.
فإنه لما كان المال عصب الحياة، ووسيلة بناء الحضارات، وازدهار الأمم، تطلعت إليه النفوس البشرية، وحاول كل إنسان أن يجمع منه الكثير الكثير، وتلك المحاولة لجمع الكثير هي انعكاس طبيعي للفطرة التي فطر الله الإنسان عليها. قال تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) [1] والتي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" [2] .
هذا ولا يزال الإنسان حريصًا على جمع المال حتى يموت ويفارقه، ويمتلئ جوفه من تراب قبره. ولا عيب عليه في ذلك ولا عقاب، ولكن العيب والذم والإثم على من يسعى في تحصيله بأي طريق كان دون ضابط من دين أو خلق.
ثم إنه لما ضعف الرادع في النفوس واختلط المال الحلال بالحرام، عن قصد أحيانا وعن جهل أحيانًا أخرى -وهما أمران أحلاهما مرّ- وجب على أهل العلم ورواد الإصلاح أن يمسكوا بالسفينة قبل أن تغرق، فإن أكل المال الحرام والتغذي عليه حجاب بين الخلق وإجابة الدعاء بالفرج والنصر والتمكين في الأرض.
ولعل هذه الدراسة تؤدي بعض الدور في إنقاذ السفينة، وذلك بتحذير الذين يقدمون على المال الحرام من سوء العاقبة، وتفتح لهم أبواب التحلل منه لمن تاب وأناب؛ ويتوب الله على من تاب، كما تقدم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه ومن تبع هداه ...
(1) الفجر: 20.
(2) رواه مسلم في الزكاة (باب: لو أن لابن آدم واديين برقم2412) .