التمهيد: تعريف المال الحرام وبيان أقسامه وفيه مطلبان
المطلب الأول: تعريف المال الحرام
ليس هناك من تعريف خاص للمال الحرام عند الفقهاء، ولذلك سوف نلجأ إلى تعريف كل كلمة على حده، ثم نحاول الوصول إلى تعريف جامع لهما.
المال لغة، هو: في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، سواء كان ذهبًا أو فضة، أو حيوانًا، أو جمادًا، أو أي شيء ينتفع به الإنسان [1] .
وأما في اصطلاح الفقهاء: فقد عرفه الحنفية، بأنه: ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة [2] . فالمنافع عندهم لا تعتبر مالا، لأنها لا يمكن ادخارها، فمن غصب دارا وسكنها سنين لا يضمن أجرتها، لأن المنفعة عندهم ليست بمال حتى تضمن.
وفي هذا نظر، فإن الأشياء إنما تقوّم ويُنفَق في سبيلها المال، ويسعى كل الناس في تحصيلها لمنفعتها، فكيف لا تعتبر مالا؟.
ومن ناحية ثانية: فإن الطباع تختلف في ميولها من شخص إلى آخر، ومن وقت إلى آخر، فلا تصلح إذًا أن تكون معيارًا لاعتبار المال، يضاف إلى ذلك أن كثيرا من الأشياء لا يمكن ادخارها كالثمار والخضروات، وهي أموال قطعًا، لا يستطيع أحد أن لا يعتبرها مالا، فإن من سرق منها بمقدار النصاب من حرزها يقطع. فالتعريف إذًا غير سديد، كما نبه إليه بعض الفقهاء المحدثين [3] .
ويستفاد من النظر في مذاهب الأئمة الآخرين أن تعريفهم للمال أعم وأشمل، فهو في نظرهم يعم الأعيان والمنافع [4] . وعباراتهم في ذلك متقاربة، لأن مرادهم واحد وفي ضوء هذا فالمال عندهم: ما يجوز تملكه شرعًا من الأعيان والمنافع [5] .
(1) لسان العرب، والقاموس المحيط. مادة (مول) .
(2) البحر الرائق 5/ 430، حاشية رد المختار لابن عابدين 4/ 506.
(3) المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقاء 3/ 114، الملكية ونظرية العقد للشيخ محمد أبو زهرة ص47.
(4) أحكام القرآن لابن العربي 2/ 607، المنثور في القواعد للزركشي الشافعي 3/ 232، شرح منتهى الارادات3/ 121.
(5) انظر: حاشية العدوي 2/ 382، الروض المربع بحاشية العاصمي النجدي 4/ 326، حاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج 2/ 152.