فهرس الكتاب
والمراد بمبدإ علانية جلسات التقاضي: هو نظر القضية في جلسات علنية ، وذلك يقتضي الإذن من القاضي لغير المتخاصمين ، أن يحضر مجلس القضاء ، ويسمع ويشاهد كل ما يدور فيه ، من دعوى ، ودفاع ، وسماع شهود ونحو ذلك مما يلزم لنظر الدعوى والفصل فيها . والمستقرئ لكلام الفقهاء رحمهم الله تعالى يجد أنهم لم ينصوا صراحة على علانية جلسات المحاكمة ، ولكن طبيعة الواقع العملي للقضاء في الإسلام يدل على وجود العلانية في التقاضي . فأقضية الرسول ( وأقضية خلفائه الراشدين من بعده رضي الله عنهم كانت تتم في المسجد(138) . ، وهو مكان عام يؤمه ويقصده كل مسلم .وقد قرر الفقهاء رحمهم الله تعالى: جواز اتخاذ المسجد مجلسًا للقضاء ، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك ، فمنهم من ذهب إلى جوازه بدون كراهة ، بل استحبه كثير من هؤلاء ، ومنهم من كره ذلك (139) . والعلانية في الجلسات متحققة في القضاء إذا كان محله المسجد ، ولهذا نص بعض الفقهاء على أن من فوائد القضاء في المسجد أنه أنفى للتهمة عن القاضي ، وأسهل للناس في الدخول عليه ، فأجدر ألا يحجب عنه أحد (140) . والمستقرئ لسيرة قضاء الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم من السلف يجد أنهم كانوا يأخذون بهذا المبدأ ، إذ كانوا يتخذون الأماكن البارزة مواضع لفصل الخصومات ، فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقضي في السوق (141) . وقال الإمام البخاري رحمه الله: ( وقضي يحيى بن يعمر في الطريق ، وقضى الشعبي على باب داره ) (142) .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: ( أحب أن يقضي القاضي في موضع بارز للناس لا يكون دونه حجاب وأن يكون متوسطًا للمصر ) (143) .