المغتربون الذين نراهم الآن في بلادنا، يسافر أحدهم إلى بلد لغتها غير لغته التي يعرف، وطبائع أهلها غير تلك الطباع التي يألفها هناك، ويتحمل من إيذاء الناس -وإيذاء المسلمين للأسف- وإهانتهم وازدرائهم، ويعمل الأوقات الطويلة ويبذل الجهد في سبيل تحصيل مبالغ يسيرة؛ هذه المبالغ يقترّ على نفسه فيها، ويأكل فيها الطعام الزهيد والطعام الرخيص ليوفر شيئًا من المال ليرسله إلى أهله وزوجته وأولاده، أو يوفر شيئًا من المال لأجل أن يحصل في ذلك الزواج ، أو أن يتيسر له أن يؤدي فريضة الحج، إن هذا الثمن الباهظ الذي يدفعه الرجل المغترب إنما هو لأجل تحصيل الدنيا وقوت يومه، وليس معيبًا في ذلك؛ فالمرء حين يحصل الرزق الذي يعفه عن الحرام ويعفه عن مسألة الناس هو في طاعة وعبادة.
إن الدعوة لدين الله عز وجل أغلى واللهِ عند أصحابها من هذا الحطام الفاني عند أمثال هؤلاء الذين يبذلون فيه ما يبذلون، فإن كانوا يألمون فنحن أولى أن نألم، وإن كان يمسهم القرح فنحن أولى أن يمسنا القرح، ونحن نعلم أن ساعة سهر نقضيها في سبيل الله مدخرة لنا عند الله عز وجل، ونحن نعلم أن تعبًا ونصبًا نبذله في سبيل الله عز وجل لن يضيع وسوف نلقاه عند الله تبارك وتعالى .
ثانيًا التضحية بالوقت:
وكما أن هؤلاء يتعبون ويسافرون، فهم يضحون بأوقاتهم، ويبذلونها في سبيل تحقيق مقاصدهم.
ولنأخذ على ذلك مثالًا واحدًا من طلاب الدنيا:
صاحب الوظيفتين -كما يقال - يعمل في الصباح من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية والنصف ، فيعود إلى بيته مجهدًا متعبًا يتبقى له دقائق يتناول فيها الطعام والراحة، ثم ينصرف بعد صلاة العصر مباشرة إلى وظيفة أخرى أيًا كانت هذه الوظيفة، ويعود بعد ذلك بعد أن مضت ساعات طويلة من العِشاء ، ولا يدري ما يتبقى له من الوقت أيصرفه في الراحة؟ أم يصرفه في قضاء حاجات أهله وأولاده؟