فهرس الكتاب
إن كنت صادقا فائتني بدهن من دهن النجاشي الذي لا يَدَّهِن به غيره، فإني أعرفه. وكان أصفر، فأعطته قارورة منه وثوبا أصفر من ثيابه. فجاء بذلك إلى عمرو، وكانا ينزلان في دار واحدة، فقال له عمرو: لقد نلتَ ما لم ينله قرشي قبلك. وأخذ الدهن والثوب إليه، فلما أصبح أتى النجاشي بذلك وحدثه الحديث. فيقال إن النجاشي أخذه فقطعه آرابا ثم أحرقه، وأخذ امرأته فدفنها وهي حية. ويزعمون أن النجاشي دعا بالسواحر، فسحرنه، فكان يهيم. ثم إنه مات على تلك الحال. ويقال إنه لما فعلن به ذلك هام فكان مع الوحش. وخرج عبد الله بن أبي ربيعة في طلبه، وكان اسمه بحيرا فسماه النبي صلى الله عليه وسلم: عبد الله، فدُلَّ على مواضعه ومظانّه، فالتزمه فجعل يقول له: تنحَّ عني يا بحير. ومات في يده"."
والآن من الواضح الجلىّ أن هشام جعيط لم يفهم النص، فالبلاذرى لا ينكر السفارة كما توهم جعيط، بل ينكر فقط إحدى روايتيها، وهى الرواية الأولى التى تقول إنها كانت مكونة من عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد والتى عقب عليها بقوله:"وذلك وهم". أما الرواية الأخرى التى تتكون السفارة فيها من عمرو ومن عبد الله بن أبى ربيعة فيطمئن إليها قائلا:"وهذا الثبت". ومع هذا فإنه يعود فيذكر سفر عمرو وعمارة معا إلى الحبشة، لكن لا للسفارة بل للتجارة على ما هو بيّن لكل من يفهم.
وهذا مثال آخر، وما أكثر الأمثلة، على عدم فهم هشام جعيط لما يقرأ، وهو تشكّكُه في الرواية المشهورة عن إسلام عمر بن الخطاب، تلك الرواية التى تعزو يقظة ضمير الفاروق وتبلور عزمه على دخول الإسلام إلى قراءته لبعض آيات القرآن، فهو يقول إن"روايات البلاذرى عن الواقدى عن معمر عن الزهرى أقرب إلى الصحة حيث يقول:"أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة"، أى مبكرا من غير أن يذكر أى تَوْرَخَة (يقصد: من دون أن يذكر تاريخا للواقعة) ، لكنه يقول إنه أتى النبى ليؤمن، وكان مجتمعا في بيت في الصفا (دار الأرقم؟) " (ص249) . هذا ما كتبه هشام جعيط، أما الذى كتبه البلاذرى فهذا هو بنصه وفصه:"حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة: ثنا عبد الله بن إدريس الأودي: ثنا حصين بن هلال بن إساف، قال: أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة. وحدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح عن الواقدي عن معمر عن الزهري، قال الواقدي: وحدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين وغيرهما، يزيد بعضهم على بعض، قالوا: أسلمت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر وأسلم زوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فكانا يتكتمان بإسلامهما عن عمر، وكان عمر شديدا على من أسلم من قومه. وأسلم نعيم بن عبد النحّام، وإنما سمي النحّام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"دخلت الجنة فرأيت فيها أبا بكر وعمر، وسمعت نحمة من نعيم"، فسمي: النحّام. قالوا: وكان شريفا. وكان خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب فيقرئها القرآن، فخرج عمر بن"