فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 157

لأن أخبار الشجعان تعلم الشجاعة, آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين لثلاثة أشياء: قال: والثالث: أن يُروِّح الإنسانُ قلبَه بالنظر في سير هؤلاء المبخوسين حظوظا يوم القسمة, فإن النفس قد تمل من الدؤوب في الجِد وترتاح إلى بعض المباح من اللهو, وقد قال رسول الله / لحنظلة: ساعة وساعة, وعن حنظلة الكاتب أن النبي / ذكر الجنة والنار وكنا كأنا رأينا رأي عين فخرجت يوما فأتيت أهلي فضحكت معهم فوقع في نفسي شيء فلقيت أبا بكر فقلت: إني قد نافقت, قال: وما ذاك؟ قلت: كنت عند النبي / فذكر الجنة والنار فكنا كأنا رأينا رأى العين فأتيت أهلى فضحكت معهم, فقال أبو بكر: إنا لنفعل ذلك, فأتيت رسول الله / فذكرت ذلك له, فقال: يا حنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق, يا حنظلة ساعة وساعة, وقال علي بن أبي طالب: روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان, وقال أيضا: إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فالتمسوا لها من الحكمة طرفا, وعن أسامة بن زيد قال: روحوا القلوب تعي الذكر, وعن الحسن قال: إن هذه القلوب تحيى وتموت فإذا حييت فاحملوها على النافلة وإذا ماتت فاحملوها على الفريضة, وعن الزهري قال: كان رجل يجالس أصحاب رسول الله / ويحدثهم فإذا كثروا وثقل عليه الحديث قال: إن الأُذُن مجاجة وإن القلوب حمضة فهاتوا من أشعاركم وأحاديثكم, وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهيةَ أن أحمل عليها من الحق ما يملها, وعن محمد بن إسحاق قال: كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة ثم قال: حمضونا, فيأخذ في أحاديث العرب ثم يعود يفعل ذلك مرارا, وعن الزهري أنه كان يقول لأصحابه: هاتوا من أشعاركم هاتوا من حديثكم فإن الأذن مجة والقلب حمض, وقال ابن إسحاق: كان الزهري يحدث ثم يقول: هاتوا من ظرفكم هاتوا من أشعاركم أفيضوا في بعض ما يخف عليكم وتأنس به طباعكم فإن الأذن مجاجة والقلب ذو تقلب, وعن مالك بن دينار قال: كان الرجل ممن كان قبلكم إذا ثقل عليه الحديث قال: إن الأذن مجاجة والقلب حمض فهاتوا من طرف الأخبار. عن ابن زيد قال: قال لي أبي: إن كان عطاء بن يسار ليحدثنا أنا وأبا حازم حتى يبكينا ثم يحدثنا حتى يضحكنا ثم يقول: مرة هكذا ومرة هكذا.

قلت: وما زال العلماء الأفاضل يعجبهم الملح ويَهَشون لها لأنها تجم النفس وتريح القلب من كد الفكر [1] .

وقال الشيخ بكر أبو زيد في «حلية طالب العلم» - إجمام النفس: خذ من وقتك سُويعات تُجِمُّ بها نفسَك في رياض العلم من كتب المحاضرات (الثقافة العامة) ، فإن القلوب يروح عنها ساعة فساعة, وفي المأثور عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب / أنه قال: «أجموا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان» [2] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حكمة النهى عن التطوع في مطلق الأوقات [3] : «بل في النهي عنه بعض الأوقات مصالحُ أُخَرُ من إجمام النفوس بعضَ الأوقات من ثقل العبادة، كما يجم بالنوم وغيره، ولهذا قال معاذ: إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي» , وقال [4] : «بل قد قيل: إن من جملة حكمة النهي عن التطوع المطلق في بعض الأوقات:

(1) أخبار الحمقى والمغفلين (ص 13 - 17)

(2) جامع بيان العلم وفضله.

(3) مجموع الفتاوى (23/ 187) .

(4) مجموع الفتاوى (23/ 217) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت