... و أصل هذه المقولة الفاسدة قديم عرفته الأمَّة من أيَّام السلف الصالح رحمهم الله تعالى ، وقد جاء التحذير منها و من أهلها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث عدَّة تبيِّن خبثهم ، و أنَّهم سيعمُّون على الناس بلبوس العلم ، و مزاعم النصح لدين الله ، و التستر بدعوى الاعتصام بكتاب الله .
و الأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ منها:
... عن أبي رافع مولى رسول الله - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا ألفينَّ أحدكم متكئًا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري ممَّا أمرت به ، أو نهيت عنه . فيقول: لا ندري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) ) (1) .
و معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - ( لا ألفينَّ ) أي: لا أجدنَّ ، و هذه الصيغة تفيد المبالغة في النهي ، ومعنى قوله ( أريكته ) أي: سريره المزخرف ، و هو إشارةٌ إلى أنَّ إنكار الحديث إنَّما يأتي من المترفين الذين شأنهم التنعم و حب الشهوات ، و عدم الالتفات إلى أحكام الشريعة أو علومها .
و عن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( ألا هل عسى رجلٌ يبلغه الحديث عني و هو متكئٌ على أريكته ، فيقول: بيننا و بينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه ، و ما وجدنا فيه حرامًا حرَّمناه ، و إنَّ ما حرَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حرَّم الله ) ) (2) .
... لقد بيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الشريف ، أنَّه سيظهر في أمته من ينكر سنته ، متعللًا باتباع القرآن الكريم ، ثمَّ بين - صلى الله عليه وسلم - أن ما حرَّمه فهو و ما حرَّمه الله في الحكم سواء ، لأنَّه لا ينطق عن الهوى ، مكتفيًا بذكر أحد المتقابلين عن ذكر الآخر ، حين أشار إلى ما حرَّم و لم يُشر إلى ما أحلَّ .
(1) ... حديث صحيح: تقدم تخريجه .
(2) ... حديث صحيح: تقدم تخريجه .