فهرس الكتاب
وحقًا لقد أسرف العذريون في الشكوى من هؤلاء الوشاة والعذال والرقباء، فأصوات العذّال تكاد تصمّ الآذان، ووجوه الرقباء لاتكاد تخطئها العين في هذا الشعر. وما أكثر ما ضاق الشعراء ذرعًا بهم، فتحدوهم، أو دعوا عليهم، أن أنكروا عليهم أفعالهم، ولكنهم ظلّوا -في أحوالِهم كلها- يتبرمون بهم، ويشعرون بوطأتهم شعورًا عميقًا. يقول جميل:
وماذا عسى الواشونَ أن يتقوَّلوا ... سوى أَنْ يقولوا إنني لكِ وامقُ؟
نعم صَدَقَ الواشونَ أنتِ حبيبةٌ ... إليَّ، وإِنْ لم تَصْفُ منكِ الخلائقُ. [1]
أو يقول:
وقالوا: نراها ياجميلُ تبدَّلَتْ ... وَغيَّرها الواشي، فقلتُ: لعلَّها [2]
أو يقول:
وأطعتِ فيّ عواذلًا فهجرتِني ... وعصيتُ فيكِ وقد جَهدْنَ عواذلي [3]
أو يقول:
وعاذلينَ ألحُّوا في محبَّتِها ... يا ليتَهم وجدوا مثلَ الذي أَجِدْ [4]
وأما المجنون فقد حرّقته العواذل بل قطّعته تقطيعًا فكأنهم موكلّون به وحده دون الخلق جميعًا، يقول:
وعاذلةٍ تقطّعُني ملامًا ... وفي زَجْرِ العواذلِ لي بَلاءُ [5]
ويقول:
وكيفَ أُطيعُ العاذلاتِ وحبّها ... يؤرقُني والعاذلاتُ هُجُوْعُ [6]
ولم يكن حظه من الوشاة بأحسن من حظه من العاذلات، يقول:
ولو كانَ واشٍ باليمامةِ دارُهُ ... وداري بأعلى حضرموتَ اهتدى لِيا
وماذا لَهُمْ لا أحسنَ اللهُ حالَهُمْ ... من الحظِّ في تصريمِ ليلى حِباليا [7]
ولست أحب أن أستكثر من الشواهد، فهي تملأ قصائد هؤلاء العذريين حتى يصعب بل يستحيل على قارئ شعرهم أن يمر بها دون أن تستوقفه، وتدعوه إلى التأمل والتفكير.
(1) ديوان جميل: 143. وامق: عاشق.
(2) المصدر السابق: 192.
(3) المصدر السابق: 181.
(4) المصدر السابق: 59.
(5) ديوان المجنون: 42.
(6) ديوان المجنون: 192.
(7) المصدر السابق: 294.