فهرس الكتاب
أيذهبُ ميّادٌ وبالبابِ نسوتي ... ونسوةُ ميّادِ صحيحٌ قلوبُها
وقال ميّاد:
لَعَمْرُكَ إنَّ جَمْعَ بني قَشيرٍ ... لجرمٍ في يزيدَ لظالمونا [1]
إن الخبر كما سقته يكشف عن مضمون اجتماعي لا غموض فيه، فهو يوضح موقف القبيلة من المرأة ونظرتها إليها، فعلى الرغم مما ذكره الخبر من موقف جرم من الغزل وتسامحها فيه، اسودّت وجوهها ورأت أن مافعلته قشير كان مكيدة لا تحتمل. وفي قوله"تفرقوا عن حرب"إشارة صريحة إلى أنفة النفس العربية، ورفضها لكل ما يخدش مثلها الأخلاقية، واستعدادها للحرب صونًا لشرف القبيلة وسمعتها. وليس بدعًا عجبًا أن تكون المرأة هي رمز هذا الشرف، فهي تحطّ منه أو تهدمه إذا لم تحسن رعايته، وهي تصونه وتحميه إذا أحسنت التصرف والسلوك.
على أن بعض الغزل كان دعاية لنساء القبيلة، فكأنه ضرب من الالتزام الاجتماعي الأخلاقي بمبادئ القبيلة ومصالحها العامة يلتزمه الشعراء، ويوظفونه توظيفًا قبليًا حينًا، وقبليًا سياسيًا حينًا آخر. فقد كانت القبائل العربية تفخر بنعمة نسائها وترفهن، ولم يكن يضيرها أن يتغنى الشعراء بأوصاف النساء التي تدل على ما للقبيلة من العز والجاه وخفيض العيش -ولاسيما عيش نسائها-، مما يجعل القبائل الأخرى تنظر إلى هذه القبيلة ونسائها بعين الإجلال والمهابة.
ونجد الفرزدق الذي أصمّ الآذان بفخره القبلي العريض، يضمّ إلى هذا الفخر أو يزيد فيه نغمة جديدةً، فيصف بنات قومه مجاشع وقد سما بهنّ نسب رفيع إلى المجد التليد، وبدا جمالهن الفتّان، ولبسن أنفس الثياب وأجودها، وظهرت عليهن أمارات النعمة والثراء:
وبيض تَرقّى من بناتِ مجاشعٍ ... بهنَّ إلى المجدِ التليد مفاخرُهْ
بنات أبٍ حُورٍ كأن حمولَها ... عليها من الوحشِ الهجانِ جآذرُهْ
(1) الأغاني: 7/111.