بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فقد بعث الله عز وجلّ رسله بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدِّينِ كلِّه ولو كره الكافرون، وجعل دون ظهور الدين ونصر المؤمنين ابتلاءاتٍ وتمحيصًا لحكمةٍ بالغةٍ منه، وما خلق الله الموت والحياة إلاّ {ليبلوكم أيُّكم أحسن عملًا} .
ولئن تاقت نفوس المُؤمنين إلى النصر واستعجلوه، فإنّ لله في تأخيره حكمًا عظيمةً، ولطفًا منه بعباده المُؤمنين، {وليُمحّص الله الّذين آمنوا ويمحق الكافرين} ، فلو توالت الانتصارات فلم تتوقف وكان اليوم خيرًا من أمس، والغد خيرًا من اليوم، لدخل الصف الموحّد من {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} ، و {ما كان الله ليذر المُؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميزَ الخبيثَ من الطيِّب} .
والله أمر بالطاعة والعبادة في الأحوال المختلفة، من المنشط والمكره والعسر واليسر، وهو عزّ وجلّ يُحبُّ أعمالًا في مواطنَ من مواطنِ اليسر، وأخرى في مواطن من مواطن اليُسر، فشاءت حكمته أن يتقلّب عبادُهُ بين حالي العسر واليسر، والرخاء والضُّرّ، ليعلم سبحانه الشاكرين الصابرين.
فمن كان عبدًا لله حقّ العبودية، لم يتوانَ في شيءٍ من الأحوال عن خدمة سيّده والامتثال لأمرِهِ، ولم يخلّ بعبوديّته في حالي عسره ويُسره، وغناه وفقره.
وإذا كان هذا في العبادة عمومًا، فإنَّ ذروةَ السَّنامِ وسياج الإسلام: الجهاد في سبيل الله الذي ميزَ بما فيه من القرح والبأس والشدّة والألم والجراحة والقتلِ والأسرِ، مع نقص الأموال والثمراتِ، وتلف الأنفسِ وفقدانِ كثيرٍ مما تألفه النفس وترى أن لا غنى عنه، إنَّ هذه الشعيرة العظيمة النفيسة لأبينُ موطنٍ تظهرُ فيهِ هذه العبوديَّةُ ويُخاطب المكلَّف فيها بالصبر على الحالين، فقد أُمر الناس {انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفُسِكُم في سَبيلِ الله} .