فهرس الكتاب
،وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِدْعَةٌ أَصْلًا ، فَهُمْ - إِذًا - الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ .
وَالْخَامِسُ: مَا اخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى أَمِيرٍ ، فَأَمَرَ - صلى الله عليه وسلم - بِلُزُومِهِ وَنَهَى عَنْ فِرَاقِ الْأُمَّةِ فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ فِرَاقَهُمْ لَا يَعْدُو إِحْدَى حَالَتَيْنِ: إِمَّا لِلنَّكِيرِ عَلَيْهِمْ فِي طَاعَةِ أَمِيرِهِمْ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ فِي سِيرَتِهِ الْمَرْضِيَّةِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ ، بَلْ بِالتَّأْوِيلِ فِي إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ فِي الدِّينِ ، كَالْحَرُورِيَّةِ الَّتِي أُمِرَتِ الْأُمَّةُ بِقِتَالِهَا [1] وَسَمَّاهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَارِقَةً مِنَ الدِّينِ ، وَإِمَّا لِطَلَبِ إِمَارَةٍ مِنِ انْعِقَادِ الْبَيْعَةِ لِأَمِيرِ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّهُ نَكْثُ عَهْدٍ وَنَقْضُ عَهْدٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ .
وَقَدْ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّهَا سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ ، فَمَنْ جَاءَكُمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ جَمَاعَتِكُمْ ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ" [2] .
قَالَ الطَّبَرِيُّ: فَهَذَا مَعْنَى الْأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ .
قَالَ: وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الَّتِي إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى الرِّضَى بِتَقْدِيمِ أَمِيرٍ كَانَ الْمُفَارِقُ لَهَا مَيِّتًا مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، فَهِيَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي وَصَفَهَا أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُمْ مُعْظَمُ النَّاسِ وَكَافَّتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُمُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ .
قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا حُضِرَ ، قَالَ: اُدْعُوا لِي عَلِيًّا ، وَطَلْحَةَ ، وَالزُّبَيْرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ عَوْفٍ ، وَسَعْدًا ، قَالَ: فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلاَّ عَلِيًّا ، وَعُثْمَانَ ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ ، لَعَلَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ يَعْرِفُونَ لَكَ قَرَابَتَكَ ، وَمَا آتَاك اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ ، فَاتَّقِ اللَّهَ ، وَإِنْ وُلِّيتَ هَذَا الأَمْرَ فَلاَ تَرْفَعْنَ بَنِي فُلاَنٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ ، وَقَالَ لِعُثْمَانَ: يَا عُثْمَان ، إِنَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَ لَك صِهْرَك مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَسِنَّك ، وَشَرَفَك ، فَإِنْ أَنْتَ وُلِّيتَ هَذَا الأَمْرَ فَاتَّقِ اللَّهَ ، وَلاَ تَرْفَعْ بَنِي فُلاَنٍ عَلَى رِقَابِ
(1) - الحرورية: طائفة من الخوارج نُسبوا إلى حروراء: اسم قرية يُمَد ويقصر ، كان أول مجتمعهم بها ، وتحكيمهم فيها.جامع الأصول في أحاديث الرسول - (2 / 574)
(2) - الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى لِابْنِ بَطَّةَ (145 ) صحيح