الأمر الذي خرم مقصدا من أعظم مقاصد الإسلام, وهو تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين [1] , فاستحال الأمر تمزيقا لإهاب الأخوة الإيمانية, وتوسيعا لدائرة التدابر والتباغض.
وبعد التأمل تبين لي أن من أهم أسباب استفحال الأمر واتساع دائرته الإخلال بآداب البحث وأصول النظر, فكان البحث في هذا الباب من دون مراعاة هذه المقدمات ضربا في حديد بارد, ومن ثم عزمت على أن أجعل في صدر الكتاب (الدرة البهية) جملة من المقدمات التي ينبغي مراعاتها قبل النظر في هذا الباب, ثم عند مقاربة الانتهاء من هذه المقدمات رأيت أنها ليست ضرورية في باب الصفات فحسب, وإنما ينبغي أن تصحب الطالب في كل ما يبحثه, لما لها من الأهمية ولشديد صلتها بكل العلوم التي سينظر فيها الطالب, فكان من الأصلح أن تفرد بالنشر عن الكتاب الأصلي.
وقد زادني حرصا على نشرها ما فتح الله به على بلادنا تونس - حرسها الله تعالى - من انتشار المعاهد الشرعية في غير محلة منها, نسأل
(1) قال ابن تيمية: من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين, فإن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} , ويقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} , ويقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} , وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف, وأهلُ هذا الأصل هم أهل الجماعة كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة. مجموع الفتاوى 28/ 51