فهرس الكتاب
ومن العلماء من يقول بأن للمرابي ما بيده مما قبضه من الربا قبل التوبة، فإذا تاب كان ذلك المال الذي قبضه من الربا داخلًا تحت تصرفه؛ فلا يؤمر برد ما قبضه، من الربا قبل التوبة، وإنما يدع ما بقي من الربا مما لم يقبضه [1] .
(1) يقول فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع_حفظه الله_: =وذكر بعض أهل العلم وبعض محققيهم أن من بيده أموال محرمة بوصفها لا بأصلها، كالأموال الربوية مما ليس له أفراد معينون وهي مختلطة بماله الحلال، وبثمن مجهوده في الاكتساب بها؛ فإذا تاب من بيده هذه الأموال توبة نصوحًا مستكملة شروط التوبة إلى الله_تعالى_فإنه يقر على ما بيده، وتوبته النصوح تجب ما قبلها ويعتبر ما بيده ملكا له، يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
واستدلوا على ذلك بقوله_تعالى_: =وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله+.
وذكروا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن الموعظة أعم من أن تحصر في انشراح صدر الكافر إلى الإسلام، وقالوا في توجيه هذا القول: إن الأخذ بهذا يدعو أهل الفسوق إلى التوبة إلى الله، وأن القول بغير هذا_أي بحرمانه مما بيده_قد يسد عليه باب التوبة إلى الله، ويعين الشيطان عليه في الاستمرار على أخذ المال الحرام، والتعاون على الإثم والعدوان، وأجابوا عن الآية الكريمة [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ] بأن هذه الآية خاصة بالأموال الذميمة المشتملة على الفوائد الربوية، فمن كان له ذمة أحد من الناس مبلغ من المال بعضه ربا فالتوبة تقتضي أن يتقاضى رأس ماله فقط، ويسقط ما زاد عنه من فائدة ربوية+ بحوث في الاقتصاد الإسلامي للشيخ عبد الله بن منيع ص34_35.
وممن قال بهذا القول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، يقول×: =واختار الشيخ تقي الدين أن المقبوض بعقد فاسد غير مضمون، وأنه يصح التصرف فيه؛ لأن الله_تعالى_لم يأمر برد المقبوض بعقد الربا بعد التوبة، وإنما رد الربا الذي لم يقبض، ولأنه قبض برضا مالكه؛ فلا يشبه المغصوب، ولأن فيه من التسهيل والترغيب في التوبة ما ليس في القول بتوقيف توبته على رد التصرفات الماضية مهما كثرت وشقت، والله أعلم+ الفتاوى السعدية ص218.
وقال _ ×_في قوله_تعالى_: [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ] قال: =يعني من المعاملات الربوية؛ فلكم رؤوس أموالكم =لا تظلمون+ الناس بأخذ الربا =ولا تُظلمون+ يبخسكم رؤوس أموالكم؛ فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف، وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا+ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/ 340.
وممن قال بهذا القول، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول×في معرض كلام له عن المقبوض بعقد فاسد يعتقد صاحبه صحته ثم ظهر له عدم الصحة ما نصه: =وأما إذا تحاكم المتعاقدان إلى من يعلم بطلانها قبل القبض واستفتياه إذا تبين لهما الخطأ، فرجع عن الرأي الأول_فما كان قد قبض بالاعتقاد والأول أمضي، وإذا كان بقي في الذمة رأس المال وزيادة ربوية أسقطت الزيادة، ورجع إلى رأس المال، ولم يجب على القابض رد ما قبضه قبل ذلك بالاعتقاد الأول+ مجموع الفتاوى 29/ 413.
وقال×في موضع آخر في تفسير آيات الربا من سورة البقرة: =قوله: (فله ما سلف) أي مما كان قبضه من الربا جعله له، (وأمره إلى الله) قد قيل: الضمير يعود إلى الشخص، وقيل: إلى (ما) وبكل حال فالآية تقتضي أن أمره إلى الله لا إلى الغريم الذي عليه الدين، بخلاف الباقي فإن للغريم أن يطلب إسقاطه+.
وقال×في قوله_تعالى_ [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا] : =أي ذروا ما بقي من الزيادة في ذمم الغرماء، وإن تبتم فلكم رأس المال من غير زيادة، فقد أمرهم بترك الزياة وهي الربا، فيسقط عن ذمة الغريم، ولا يطالب بها، وهذا للغريم فيها حق الامتناع من أدائها، والمخاصمة على ذلك، وإبطال الحجة المكتتبة بها.
وأما ما كان قبضه فقد قال: =فله ما سلف وأمره إلى الله+ فاقتضى أن السالف له للقابض، وأن أمره إلى الله وحده لا شريك له، ليس للغريم فيه أمر، وذلك أنه
لما جاءه موعظة من ربه فانتهى كان مغفرة ذلك الذنب، والعقوبة عليه إلى الله، وهذا قد انتهى في الظاهر، فله ما سلف =وأمره إلى الله+ إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له، وإلا عاقبة، ثم قال: =اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين+ فأمر بترك الباقي، ولم يأمر برد المقبوض.
وقال: =وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم+ لا يشترط منها ما قبض.
وهذا الحكم ثابت في حق الكافر إذا عامل كافرًا بالربا، وأسلما بعد القبض، وتحاكما إلينا_فإن ما قبضه يحكم له كسائر ما قبضه الكفار بالعقود التي يعتقدون حلها كما لو باع خمرًا، وقبض ثمنها، ثم أسلم فإن ذلك يحل له كما قال النبي": =من أسلم على شيء فهو له+"
وأما المسلم فله ثلاثة أحوال: تارة يعتقد حل بعض الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل، ولا يعلم أن ذلك ربا محرم، وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم.
أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم، قيل: يرد ما قبض كالغاصب، وقيل: لا يرده، وهو أصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلال.
والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه_فالمسلم المتأول إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه؛ لأن المسلم إذا تاب أولى أن يغفر له إذا كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك؛ فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله.
وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شرًا من الكافر+ تفسير آيات أشكلت 2/ 574_578.
وقال×: =والشريعة أمر ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب وكذلك النهي_فمن فعل شيئًا لم يعلم أنه محرم ثم علم لم يعاقب، وإذا عامل معاملات ربوية يعتقدها جائزة، وقبض منها ما قبض ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى_فله ما سلف+ تفسير آيات أشكلت 2/ 582.
وقال _ ×_: =والتوبة تتناول المسلم العاصي كما تتناول الكافر، ولا خلاف أنه لو عامله بربًا يحرم بالإجماع لم يقبض منه شيئًا ثم تاب أن له رأس ماله؛ فالآية تناولته، وقد قال فيها: =اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا+ ولم يأمر برد المقبوض، بل قال قبل ذلك: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف+.
وهذا_وإن كان ملعونًا على ما أكله وأوكله_فإذا تاب غفر له، ثم المقبوض قد يكون اتجر فيه، وتقلب، وقد يكون أكله، ولم يبق منه شيء، وقد يكون باقيًا، فإن كان قد ذهب، وجعل دينًا عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفرًا عن التوبة. وهذا الغريم يكفيه إحسانًا إليه إسقاطه ما بقي في ذمته، وهو برضاه أعطاه، وكلاهما ملعون.
ولو فرض أن رجلًا أمر رجلًا بإتلاف ماله وأتلفه لم يضمنه وإن كانا ظالمين، وكذلك إذا قال: اقتل عبدي، هذا هو الصحيح، وهو المنصوص عن أحمد وغيره؛ فكذلك هذا هو سلَّط ذاك على أكل هذا المال برضاه؛ فلا وجه لتضمينه_وإن كانا آثمين_كما لو أتلفه بفعله، إذ لا فرق بين أن يتلفه بأكله أو بإحراقه، بل أكله خير من إحراقه، فإن لم يضمنه في هذا بطريق الأولى.
وأيضًا فكثير من العلماء يقولون: إن السارق لا يغرم؛ لئلا يجتمع عليه عقوبتان؛ من أن الحد حق لله، والمال حق لآدمي.
وهذا أولى؛ لئلا يجتمع على المربي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل.
وإذا كان عين المال باقيًا فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق، والغاصب، بل قبضه باتفاقهما، ورضاهما بعقد من العقود، وهو لو كان كافرًا ثم أسلم لم يرده، وقد قال_تعالى_: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله+. تفسير آيات أشكلت 2/ 588_590.
وقال×: =وأما الذي لا ريب فيه عندنا فهو ما قبضه بتأويل، أو جهل_فهنا له ما سلف بلا ريب، كما دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.
وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر؛ فإنه قد يقال: طرد هذا أن من اكتسب مالًا من ثمن خمر مع علمه بالتحريم فله ما سلف، وكذلك كل من كسب مالًا محرمًا ثم تاب إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي، وحلوان الكاهن.
وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة؛ فإنها تفرق بين التائب وغير التائب كما في قوله: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف+ وقال_تعالى_: =قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف+ [الأنفال: 38] تفسير آيات أشكلت 2/ 592_593.
وقال×: =ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق+ تفسير آيات أشكلت 2/ 595.
وقال×: =وأما الربا فإنه قبض بربا صاحبه، والله_سبحانه_يقول: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله+ ولم يقل: فمن أسلم، ولا من تبين له التحريم بل قال: [فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى] والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه، قال الله_تعالى_: [يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] النور: 17.
وقال: =أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا+النساء: 63.
وأيضًا فهذا وسط بين الغريمين؛ فإن الغريم المدين ينهى أن يسقط عنه الزيادة، وهذا عنده غاية السعادة، وذاك لا ينهى أن يبقى له ما قبض، وقد عفا الله عما مضى.
وأما تكليف هذا إعادة القرض فذلك مثل مطالبة الغريم بما بقي، وكلاهما فيه شطط، وتسلط، وشدة عظيمة+ تفسير آيات أشكلت 2/ 596.