وبأمر من عاد من عاد وبقي بعضهم إلى السنة السابعة للهجرة، وكيف عادوا ولماذا؟ ماهي لغة التخاطب بين المهاجرين والنجاشي؟ وإذا لم تحمل لنا المصادر معرفة المهاجرين بلغة الحبشة، فهل يثبت معرفة النجاشي للعربية؟ وكيف عرفها؟ وهل بهذا يفسر تأثره من سماع سورة مريم؟ ما هو أثر الغربة على المهاجرين عمومًا، وما الذي كان يخففها؟ أي نجاشي الحبشة كتب له الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوه للإسلام، وهل يعارض ذلك إسلام النجاشي وكيف نوفق بين رواية الصحيح ورواية أصحاب السير؟ الخ هذه التساؤلات التي ستبرز في ثنايا البحث - وهي محتاجة إلى إجابة-.
إن فقه السيرة النبوية مطلب ملح، وإن التجاوز عن سرد الأحداث الظاهرة إلى بيان الأهداف والعبر المتوخاة منها من أعظم أهداف دراسة السيرة وما أجمل السيرة حين تدرس بوعي وواقعية فتصل الأجيال اللاحقة بالأجيال السابقة وفق منهج شرعي مؤصل.
ومن رحم هذه الدراسات الواقعية -التي يفترض فيها عدم التكلف في الاستنتاج أو الشطط في التأويل - ندلل بشكل واقعي أن السيرة النبوية ليست نصوصًا جامدة، أو حقبة زمنية وقعت وانتهت - كلا، وإنما هي معين لا ينضب يهتدي بمعالمها الثابتة المسلمون، ويستضيء بنور أحداثها الصحيحة السالكون، وتبقى أحداثها غضة طرية رغم اختلاف المكان وفارق الزمان، وتلك وربي واحدة ممن مناحي العظمة في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وشاهد على صلاحية رسالته لكل زمان ومكان.
وأرجو أن تسهم هذه الدراسة في التأكيد على فقه المرويات، وقراءة نصوص السيرة بشكل يعمق دلالات الحدث ويوسع دائرة الاستفادة من النص من خلال الموازنة والربط بين الأحداث والمرويات.