فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 161

ويضيف في موضع آخر سببًا آخر فيقول: إن هؤلاء الصحابة - من الموالي والمستضعفين - رضي الله عنهم عذبوا حتى ملّ المعذبون، ورأوا ألا فائدة من ذلك، وكأن التعذيب كان لقاحًا مضادًا لجرثوم المرض - الذي هو الخوف - فما عادوا يهتمون.. ثم إن قريشًا شغلت عنهم بالمسلمين الآخرين الذين بدأوا يظهرون في كل قبيلة وفخذ (1) .

أما الأستاذ (دروزة) فيميل إلى فتح مجال للدعوة في الحبشة سببًا من أسباب هجرة الحبشة حين يقول: (بل أنه ليخطر بالبال أن يكون من أسباب اختيار الحبشة النصرانية أمل وجود مجال للدعوة فيها، وأن يكون هدف انتداب جعفر متصلًا بهذا الأمل، ولعل فيما روي أكثر من مرة عن إسلام النجاشي وغيره من الأحباش ووفادة بعضهم على النبي صلى الله عليه وسلم مستطلعين ما يستأنس به على هذا الخاطر) (2) .

قلت: ومما يدعم الرأي القائل يكون الدعوة للدين الجديد في أرض الحبشة سببًا وهدفًا من أسباب الهجرة إسلام النجاشي، وهو أمر ثابت - كما سيأتي بيان ذلك - بل وإسلام آخرين من أهل الحبشة - سيأتي الحديث عنهم في موضعه - وأمر آخر، فإذا كان ذهاب المهاجرين للحبشة بمشورة النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه فبقاؤهم في الحبشة إلى فتح خيبر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه، وفي صحيح البخاري: فقال جعفر - للأشعرين - حين وافقوه بالحبشة: (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هنا، وأمرنا بالإقامة فاقيموا معنا ) ) (3) .

وليس يخفى أن مجيئهم كذلك من الحبشة كان بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهه كما نص على ذلك ابن إسحاق، والواقدي، وقد سبق البيان (4) .

وهذا يعني أنهم ذهبوا لمهمة معينة - ولا أشرف من مهمة الدعوة لدين الله - وأن هذه المهمة قد انتهت حين طُلب المهاجرون.

(1) الشامي: من معين السيرة، ص 74.

(2) سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - 1/265 عن الشامي ص 111.

(3) الصحيح مع الفتح 6/237.

(4) البحث المبكر عن مكان آمن للمسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت