الصفحة 158 من 249

ولا يفهم مما سبق أن لا يهتم المسلم بدنياه، والأخذ بأسباب الأمن والسلامة فيها؛ وإنما كان المقصود أن لا ننسى ولا نغفل عن الأمن الأبدي الحقيقي وهو الأمن يوم القيامة، وأن يكون اهتمامنا وسعينا لأن نكون من الآمنين في الدار الآخرة أكبر وأشد من سعينا لذلك في الدنيا الفانية الزائلة. مع أن طاعة الله عز وجل وخوف اليوم الآخر يحصل بهما الأمن في الدنيا قبل الآخرة كما سبق بيانه. إذن فالأمن في الدارين مصدرهما طاعة الله وتوحيده واتقاء مساخطه، وأسباب عقابه.

وأرى في هذا المقام أن أعيد ما نقلته سابقًا عن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عند قوله عز وجل:"وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا" [مريم:15] ثم تكرار هذا مع عيسى عليه الصلاة والسلام في قوله:"وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا" [مريم: 33] لمناسبته المقام.

قال رحمه الله تعالى: (قيل: ما الحكمة في تقييد السلام في قصتي يحيى والمسيح صلوات الله عليهما بهذه الأوقات الثلاثة؟

فسرُّه والله أعلم: أن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظان العطب ومواطن الوحشة، وكلما كان الموضع مظنة ذلك تأكد طلب السلامة، وتعلقت بها الهمة؛ فذكرت هذه المواطن الثلاثة لأن السلامة فيها آكد وطلبها أهم، والنفس عليها أحرص، لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقرًا فيها، موطن النفس على صحبتها وسكناها إلى دار هو فيها معرض للآفات والمحن والبلاء؛ فإن الجنين من حين خرج إلى هذه الدار انتصب لبلائها، وشدائدها ولأوائها ومحنها، وأفكارها؛ كما أفصح الشاعر بهذا المعنى حيث يقول:

تأمل بكاء الطفل عند خروجه ... إلى هذه الدنيا إذا هو يولد

تجد تحته سرًا عجيبًا كأنه ... بكل الذي يلقاه منها مهدد

وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت