فهرس الكتاب

الصفحة 14658 من 18580

حُكْمُ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الْإِمَام

قَالَ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا , وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ} [1]

(خ م حم) , وَعَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ: (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) [2] (أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ قِتَالَهُمْ) [3] (فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ) [4] (كَيْفَ تُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَهُمْ يُصَلُّونَ؟) [5] (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ , فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ , وَحِسَابُهُ عَلَى الله [6] "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَلَاةِ وَالزَّكَاةِ [7] فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ [8] وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا [9] وفي رواية:(عِقَالًا) [10] كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ , فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ [11] [12] .

(1) [التوبة/103]

(2) (خ) 6526 , (م) 20

(3) (حم) 10852 , (س) 3975

(4) (خ) 6526 , (م) 20

(5) (حم) 10852 , وقال الشيخ شعيب الأرناءوط: إسناده حسن.

(6) قَالَ الْخَطَّابِيّ: زَعَمَ الرَّوَافِضُ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُتَنَاقِضٌ , لِأَنَّ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُمْ كَفَرُوا , وَفِي آخِرِهِ أَنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ , إِلَّا أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاة، فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ , فَكَيْفَ اِسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيّهمْ؟

وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا , فَكَيْف احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة؟، فَإِنَّ فِي جَوَابِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّلَاةِ.

قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ كَانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَان، وَصِنْفٌ مَنَعُوا الزَّكَاة , وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا , وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} , فَزَعَمُوا أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ خَاصٌّ بِهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُطَهِّرُهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ , فَكَيْف تَكُونُ صَلَاتُهُ سَكَنًا لَهُمْ؟، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ الصِّنْفَ الثَّانِي , لِأَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي جَوَازِ قَتْلِ الصِّنْفِ الْأَوَّل، كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي قِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَاِن وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , قَالَ: وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مِنْ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ , وَقَدْ حَفِظَ غَيْرُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَعًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْقُوب بِلَفْظٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ , حَيْثُ قَالَ فِيه:"وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ", فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - وَدُعِيَ إِلَيْهِ , فَامْتَنَعَ وَنَصَبَ الْقِتَالَ , أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُه , وَقَتْلُه إِذَا أَصَرَّ، قَالَ: وَإِنَّمَا عَرَضَتْ الشُّبْهَةُ لِمَا دَخَلَهُ مِنْ الِاخْتِصَارِ وَكَأَنَّ رَاوِيهِ لَمْ يَقْصِدْ سِيَاقَ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِه , وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيَاقَ مُنَاظَرَةِ أَبِي بَكْر وَعُمَر , وَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِأَصْلِ الْحَدِيث، اِنْتَهَى.

قُلْت: وَفِي هَذَا الْجَوَاب نَظَر، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ فِي الْحَدِيث"حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاة , وَيُؤْتُوا الزَّكَاة"مَا اسْتَشْكَلَ قِتَالَهُمْ , لِلتَّسْوِيَةِ فِي كَوْنِ غَايَةِ الْقِتَالِ تَرْكَ كُلٍّ مِنْ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَإِقَامِ الصَّلَاة , وَإِيتَاءِ الزَّكَاة.

قَالَ عِيَاض: حَدِيثُ اِبْن عُمَر نَصٌّ فِي قِتَالِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يُزَكِّ , كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَاحْتِجَاجُ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ , وَجَوَابُ أَبِي بَكْرٍ , دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا فِي الْحَدِيثِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ

إِذْ لَوْ سَمِعَهُ عُمَرُ , لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى أَبِي بَكْر , وَلَوْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْر , لَرَدَّ بِهِ عَلَى عُمَر وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاحْتِجَاج بِعُمُومِ قَوْله"إِلَّا بِحَقِّهِ".

قُلْت: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْله"بِحَقِّهِ"لِلْإِسْلَامِ , فَمَهْمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْإِسْلَام تَنَاوَلَهُ، وَلِذَلِكَ اِتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاة. فتح (19/ 382)

(7) الْمُرَاد بِالْفَرْقِ: مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ , وَأَنْكَرَ الزَّكَاةَ جَاحِدًا , أَوْ مَانِعًا مَعَ الِاعْتِرَافِ وَإِنَّمَا أُطْلِقَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّة الْكُفْرُ , لِيَشْمَل الصِّنْفَيْنِ، فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَة , وَفِي حَقِّ الْآخَرِينَ مَجَازٌ تَغْلِيبًا، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمْ الصِّدِّيقُ وَلَمْ يَعْذُرْهُمْ بِالْجَهْلِ , لِأَنَّهُمْ نَصَبُوا الْقِتَال , فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الرُّجُوع، فَلَمَّا أَصَرُّوا قَاتَلَهُمْ.

قَالَ الْمَازِرِيّ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُوَافِقًا عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الصَّلَاة , فَأَلْزَمَهُ الصِّدِّيقُ بِمِثْلِهِ فِي الزَّكَاة , لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة مَوْرِدًا وَاحِدًا. فتح الباري (ج 19 / ص 382)

(8) قوله (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يُشِيرُ إِلَى دَلِيلِ مَنْعِ التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ حَقَّ النَّفْسِ الصَّلَاة , وَحَقَّ الْمَالِ الزَّكَاة، فَمَنْ صَلَّى عَصَمَ نَفْسَه، وَمَنْ زَكَّى عَصَمَ مَالَه، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ , قُوتِلَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاة، وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ , أُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ قَهْرًا، وَإِنْ نَصَبَ الْحَرْبَ لِذَلِكَ , قُوتِلَ , وَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَمِعَ فِي الْحَدِيث"وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة"لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا الِاسْتِنْبَاط، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ , وَاسْتَظْهَرَ بِهَذَا الدَّلِيلِ النَّظَرِيّ. فتح الباري (19/ 382)

(9) العَناق: الأنثى من المَعْزِ إذا قَوِيَت , ما لم تَستكمل سنة.

(10) (خ) 6855 , (م) 20

العِقال: الحبل الذي تُربط به الإبل ونحوها.

(11) فِي هذا الحديثِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى شَجَاعَةِ أَبِي بَكْر - رضي الله عنه - وَتَقَدُّمِهِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْعِلْمِ عَلَى غَيْرِه , وهُوَ أَكْبَرُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْد رَسُولِ الله - صلى اللهُ عليه وسلَّم - فَإِنَّهُ ثَبَتَ لِلْقِتَالِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الْعَظِيم , وَاسْتَنْبَطَ - رضي الله عنه - مِنْ الْعِلْمِ بِدَقِيقِ نَظَرِهِ , وَرَصَانَةِ فِكْرِهِ مَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِهِ غَيْره , فَلِهَذَا وَغَيْرِه مِمَّا أَكْرَمَهُ الله تَعَالَى بِهِ , أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاء - رضي الله عنهم - فِي مَعْرِفَةِ رُجْحَانِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَشْهُورَة. شرح النووي (ج1ص94)

(12) (خ) 6526 , (م) 20

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت