فهرس الكتاب
وبهذا كله تبين لك أن القول الصحيح في هذه المسألة هو قول من قال بأن إتيان السحرة ونحوهم وسؤالهم حلَّ السحر عن المسحور، أو التداوي بأدويتهم ونُشَرهم، حرام لا يجوز، وأنه من كبائر الذنوب، وعظائم الخطوب وهو قدح في توحيد المطبوب، نسأل الله العافية والسلامة من مهلكات الذنوب.
الجواب عن أدلة القائلين بالجواز
اعلم - وفقك الله - أن العلماء قد يختلفون في حكم مسألة من مسائل الدين فُيدلي كلٌ منهم بدليله وحجته وبما أحاط به علمه واجتهاده، وغايتهم الوصول إلى الحق، ومطلبهم معرفة الحكم بدليله، وهم إما مصيب فله أجران، وإما مخطيء فله أجر واحد، فالعالم قد يخفى عليه حكمٌ بان لغيره فيه دليله، فالواجب على من وقف على أقوالهم واطلع على حججهم وأدلتهم أن يعرضها على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - كما أمرنا تعالى بذلك في قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا} [1] فما كان منها موافقًا للكتاب والسنة أُخذ به، وما كان مخالفًا لهما طُرح به ولا حرج.
ومن المعلوم أن من لازم الشهادة بأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، فأخذ بما خالف ذلك قدح في تلك الشهادة بلا ريب. فالواجب على من علم حكم الشرع بدليله، واستبانت له سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أمر من الأمور أن لا يعدل عنها، ولا يتبع أحدًا في مخالفتها، كائنًا من كان، فالسنة قاضية على قول كل أحد، صحابيًا كان أو من دونه في العلم والمنزلة، فإن الله قد فرض
(1) سورة النساء، الآية: 59.