فهرس الكتاب
موعظة
خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها فقال فيها: أما بعد"إنكم لم تُخلقوا عبثًا، ولن تُتركوا سُدىً، وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون كذلك حتى تُرد إلى خير الوارثين، وفي كل يومٍ تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله قضى نحبه وانقضى أجله فتدعونه في صدعٍ من الأرض غير موسدٍ ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غنيًا عما خلف، فقيرًا إلى ما أسلف، فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته، وإني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحدٍ من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه، ثم رفع طرف ردائه وبكى حتى شهق ثم نزل، فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه."
أتَبكِيْ لهَذَا المَوتِ أم أنتَ عارِفُ ... بمنزِلَةٍ تَبْقَى وَفيها المَتَالِف
كأنك قَدْ غُيبت فِي اللحْد والثَّرى ... فَتَلْقَى كَما لاقَى القُرونُ السَّوالِف
أَرَى المَوت قَدْ أفْنَى القُرونَ التي مضت ... فَلَم يَبْقَ ذُو إِلفٍ وَلَم يَبْقَ آلِف
كَانَ الفَتَى لَم يَغْنَ فِي النَّاس سَاعَةً ... إِذَا عُصبت يَومًا عَلَيْهِ اللَّفَائِف
وَقَامَتْ عَلَيْهِ عُصبةٌ يندُبُونه ... فَمُسْتَعبِرٌ يَبْكِي وَآخَرُ هاتِفُ
وَغُوْدِرَ فِي لَحْدٍ كَرِيْهٍ حُلُولُهُ ... وَتُعقدْ مِن لِبْن عَلَيْهِ السَّقَائفُ
يَقِلُّ الغِنَي عَن صاحِب اللَّحد والثَّرَى ... بِمَا ذَرَفَتْ فِيْهِ العُيُوُن الذَّوَارِفُ
وَمَا من يَخَافُ البَعْثَ والنَّارَ آمِن ... وَلَكِن حزينٌ موجَعُ القلبِ خائفُ
إِذَا عَن ذِكْرُ المَوتِ أوْجَعَ قَلبَهُ ... وَهَيَّجَ أحْزانًا ذُنُوبٌ سَوالف